جاءت الصحيفة بعد أسابيع قليلة من جلاء الاستعمار البريطاني، في زمنٍ كانت فيه الدولة الجنوبية الوليدة بحاجة إلى خطاب إعلامي يُعبّر عنها، ويصوغ رؤيتها، ويخاطب شعبها بلغة جديدة، لغة الدولة لا لغة المنفى أو المقاومة السرية.
لم يكن تأسيس 14 أكتوبر قرارًا إداريًا بقدر ما كان خيارًا سياسيًا وفكريًا، يؤمن بأن الإعلام أحد أعمدة السيادة، وأن الكلمة يمكن أن تكون خط الدفاع الأول عن مشروع الاستقلال.
اختيار اسم الصحيفة لم يكن رمزيًا فقط، بل كان إعلان انتماء واضح. 14 أكتوبر لم تُسمَّ باسم مدينة أو جهة، بل باسم ثورة، لتقول منذ عددها الأول إن جذورها ضاربة في وجدان النضال الوطني، وإن رسالتها امتداد طبيعي لثورة انطلقت من ردفان، وقررت أن تصنع تاريخًا جديدًا للجنوب.
في أعدادها الأولى، بدت الصحيفة وكأنها تخاطب المستقبل أكثر مما توثّق الحاضر. عناوينها كانت مشبعة بروح البناء، ومقالاتها تنحاز لمفهوم الدولة الحديثة، وتدافع عن التعليم، والعمل، والعدالة الاجتماعية، وتمنح مساحة واسعة للثقافة والفكر، في وقتٍ كانت فيه الصحافة تُعتبر أداة تعبئة وتنوير لا مجرد ناقل للخبر.
لم تكن 14 أكتوبر صحيفة محايدة بالمعنى التقليدي، بل كانت منحازة بوضوح لمشروع الدولة، ولمصالح الناس، وللخط العام الذي آمنت به السلطة آنذاك. غير أن هذا الانحياز لم يمنعها من أن تكون مدرسة صحفية حقيقية، تميّزت بلغة قوية، وصياغة رصينة، واحترام للعقل العام، وأسهمت في تخريج أجيال من الصحفيين والكتّاب الذين تركوا بصمتهم لاحقًا في المشهد الإعلامي اليمني.
كانت الصحيفة، في سنواتها الأولى، مرآة لتحولات الجنوب السياسية والاجتماعية، وسجلًا يوميًا لتجربة دولة تحاول أن تعرّف نفسها، وتفرض حضورها، وتبني مؤسساتها وسط تحديات داخلية وخارجية جسيمة. وبين الخبر والتحليل، وبين المقال والرأي، حافظت 14 أكتوبر على موقعها كأحد أهم المنابر الإعلامية في البلاد.
ومع تغير الأزمنة، وتبدّل الأنظمة، ثم قيام الوحدة اليمنية عام 1990م، دخلت الصحيفة مرحلة جديدة، فقدت فيها بعضًا من وهجها القديم، لكنها لم تفقد قيمتها الرمزية. بقي اسمها شاهدًا على مرحلة تأسيسية من تاريخ الجنوب، وذاكرة مطبوعة لتجربة إعلامية ارتبطت ببناء الدولة أكثر مما ارتبطت بالأشخاص.
في ذكرى تأسيسها، لا يُستعاد تاريخ صحيفة فقط، بل يُستعاد سؤال الدور: ماذا يعني أن تكون الصحافة ابنة الثورة؟ وكيف يمكن للكلمة أن تحافظ على شرفها في زمن التحولات؟
14 أكتوبر وُلدت يوم قررت الكلمة أن تكون دولة، وأن تكتب التاريخ لا من الهامش، بل من قلب اللحظة.
