ما الفائدة المرجوة من مليونية جديدة، بعد تظاهرة أخيرة أشعلت الشارع الجنوبي، وحققت نجاحًا فاق كل التوقعات، من حيث الحضور، والزخم، والرسائل السياسية الواضحة؟
التظاهرة الأخيرة لم تكن عادية، بل شكّلت لحظة سياسية فارقة؛ أعادت للشارع الجنوبي ثقته بنفسه، وأكدت أن القضية الجنوبية ما زالت حيّة، وقادرة على فرض حضورها دون وصاية أو إذن من أحد. وهذا بحد ذاته إنجاز كبير، لا يُستهان به، ولا يُفترض التفريط بقيمته عبر الاستهلاك السريع.
لماذا الإصرار على مليونية تلو أخرى؟
في السياسة، ليست كثرة الحشود دائمًا مؤشر قوة، بل أحيانًا دليل ارتباك. فحين تتحول المليونيات من أدوات ضغط مدروسة إلى فعل متكرر بلا أهداف محددة، تفقد جزءًا من تأثيرها الرمزي والسياسي.
الإصرار على مليونية تلو أخرى يطرح احتمالات عدة:
إما غياب تصور واضح لكيفية استثمار النجاح السابق.
أو محاولة الهروب للأمام عبر الشارع، بدل معالجة الأسئلة الصعبة داخل غرف القرار.
أو استخدام الشارع كغطاء سياسي لصراعات أو رسائل لا يُراد قولها بوضوح.
الشارع ليس أداة دائمة للاستخدام، بل رصيد وطني حساس، يُستدعى عند الضرورة، لا عند العجز.
هل ستُحقق المليونية القادمة ما حققته سابقتها؟
هذا هو السؤال الأهم. الواقع يقول إن التظاهرات تفقد زخمها حين تتكرر دون إضافة نوعية. النجاح لا يُقاس بعدد المرات، بل بقيمة الأثر.
المليونية الأخيرة كانت مفاجِئة، صادمة، ورسالتها وصلت بوضوح. أما أي مليونية لاحقة، فإن لم تحمل:
هدفًا سياسيًا محددًا،
وخطابًا محسوبًا،
وخارطة طريق لما بعدها،
فستكون مجرد إعادة مشهد، دون ذات التأثير، وربما بنتائج عكسية.
بين التعبير المشروع والاستفزاز السياسي
هنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية:
هل نحن أمام فعل احتجاجي يخدم القضية الجنوبية، أم أمام استعراض جماهيري قد يُقرأ إقليميًا كرسالة استفزاز، وتحديدًا تجاه السعودية؟
السياسة لا تُقاس فقط بما نريده نحن، بل بكيفية قراءة الآخرين لرسائلنا. وحين تُرفع شعارات غير منضبطة، أو يُترك الشارع دون إدارة واعية، تتحول الرسالة من مطلب مشروع إلى عبء سياسي.
السعودية، شئنا أم أبينا، فاعل رئيسي في الملف الجنوبي واليمني. وأي حراك جماهيري لا يراعي تعقيدات العلاقة معها، قد يُستثمر ضد القضية بدل أن يخدمها.
الخلاصة
التظاهر حق، والشارع الجنوبي أثبت وعيه وقدرته. لكن مفتاح النجاح ليس في تكرار الحشود، بل في حسن توظيفها.
المليونيات يجب أن تكون:
وسيلة لا غاية،
أداة ضغط لا أداة استعراض،
رسالة محسوبة لا انفعالًا مفتوحًا.
أما تحويل الشارع إلى حالة دائمة، بلا أفق سياسي واضح، فهو استنزاف للقضية، وإرهاق للناس، وإهدار لنجاحات تحققت بشق الأنفس.
الجنوب اليوم لا يحتاج إلى عدد أكبر من المليونيات،
بل إلى قرار سياسي شجاع يقول:
ماذا بعد؟
