الطبيب والممرض في المرافق الحكومية يشكلان العمود الفقري للرعاية الصحية المجتمعية. هما خط الدفاع الأول، والملاذ الأخير لمن لا يملك كلفة العلاج الخاص. ومع ذلك، فإن أوضاعهما المعيشية والمهنية لا تعكس حجم هذه المسؤولية. الرواتب غالباً ما تكون محدودة لا تواكب حتى تكاليف الحياة (بحسب هيكل الأجور والمرتبات العام)، ولا تتناسب مع سنوات الدراسة الطويلة، ولا مع ضغط العمل الهائل، ولا حتى مع المخاطر اليومية التي يواجهها كل الكادر الصحي.
في المقابل، يتمتع العاملون في القطاع الخاص ببيئة مختلفة: دخلٌ أعلى، حوافز مرتبطة بالإنتاج، أدوات عمل حديثة، وإدارة تتخذ قراراتها بسرعة. القطاع الخاص يتحرك وفق منطق التطوير والمنافسة، وهو ما يفرض عليه الاستثمار المستمر في التدريب والتقنيات وتحسين جودة الخدمة. فهناك دائما مساحة للاجتهاد، وفرص للنمو المهني، وإمكانية واضحة لربط الأداء بالمكافأة.
أما في المؤسسات الحكومية، فإن الروتين الإداري يشكل أحد أبرز التحديات. الإجراءات طويلة، والقرارات تمر عبر طبقات متعددة من الموافقات، ما يخلق فجوة بين الحاجة الفعلية وبين التنفيذ. جهاز طبي قد يتأخر توريده، أو دورة تدريبية قد تتعطل بسبب معاملة إدارية، أو ترقية مهنية قد تنتظر سنوات، أو مكافآت لا تأخذ طريقها إلى جيب الكادر الطبي إلا بعد فقدانها لمعناها. هذا البطء لا يرهق الكادر الصحي فحسب، بل ينعكس مباشرة على مستوى الخدمة المقدمة للمريض.
ورغم ذلك، فإن المقارنة لا ينبغي أن تتحول إلى جلد للقطاع الحكومي، بل إلى دعوةٍ جادة لإعادة النظر في آليات إدارته. فالقطاع الحكومي يمتلك ما لا يملكه غيره: الانتشار الجغرافي، القدرة على الوصول إلى جميع الفئات، والبنية الأساسية التي يمكن أن تتحول (إذا أُحسن استثمارها) إلى منظومة صحية قوية وعادلة.
تطوير الطبابة والتمريض في المرافق الحكومية لا يبدأ فقط بزيادة الرواتب، وإن كانت ضرورة ملحّة لضمان الاستقرار المعيشي (وتمنع تسرب الكفاءات). التطوير الحقيقي يحتاج إلى رؤية متكاملة تشمل تحديث بيئة العمل، ومنح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع لاتخاذ القرار، وربط الحوافز بجودة الأداء، وتبسيط الإجراءات التي تعطل العمل اليومي.
كما أن الاستثمار في التدريب المستمر يجب أن يصبح جزءاً أساسياً من ثقافة المؤسسة الطبية الحكومية، لا نشاطاً موسمياً. الطبيب والممرض الحكوميان بحاجة إلى فرص متكافئة للاطلاع على أحدث الممارسات الطبية، واستخدام التقنيات الحديثة، والمشاركة في برامج التأهيل محليا وخارجيا، تماماً كما يحدث في القطاع الخاص. المعرفة ليست اختياراً، بل شرطٌ أساسي لسلامة المريض.
ولا يقل أهمية عن ذلك تطوير الأعمال المساعدة داخل المرافق الصحية، من الإدارة إلى الصيانة والتجهيزات والخدمات اللوجستية. فالمنظومة الصحية تعمل كجسدٍ واحد، وأي خلل في أحد أجزائها ينعكس على الجميع. عندما يجد الكادر الصحي بيئة منظمة، وتجهيزات جاهزة، ونظاماً إدارياً داعماً، فإنه يستطيع أن يركز على مهمته الأساسية: العلاج والرعاية.
إن إنصاف الكادر الصحي الحكومي ليس قضية فئوية، بل قضية مجتمع بأكمله. فاستقرار الطبيب والممرض يعني استقرار الخدمة الصحية، وتحسين ظروف عملهما يعني رفع جودة العلاج، وتقليل الفجوة بين القطاعين يعني بناء نظام صحي أكثر توازناً وعدالة.
حيث أضحى العمل في المؤسسات الطبية الحكومية مرحلة مؤقتة إلى حين اكتساب المعرفة والعلم، بعدها يغادرون إلى المنشآت الطبية الخاصة، الأقل جهدا والأكثر ربحية والأبهى مكانة.
المعطف الأبيض، في النهاية، لا يجب أن يختلف في قيمته باختلاف الجهة التي يُلبس فيها. الرسالة واحدة، والتعب واحد، والإنسان الذي يتلقى الرعاية واحد أيضاً. وما يحتاجه الطبيب والممرض الحكوميان اليوم ليس الشكر العابر، بل سياسات عملية تعيد الاعتبار لدورهما، وتمنحهما ما يستحقانه من دعمٍ مادي ومعنوي، ليستمرا في أداء رسالتهما بثقةٍ وكرامة.
حينها فقط، لن تكون المقارنة بين الحكومي والخاص حديثَ فجوةٍ ومعاناة، بل حديثَ تكاملٍ يخدم صحة الإنسان أولاً.
