هلّت علينا أفضل أيام السنة، وأعظمها وارفعها منزلة عند الله، إنها العشر الأوائل من ذي الحجة، حيث أقسم بها الحق سبحانه تعظيماً لشأنها ورفعةً لمكانتها، قال تعالى ((والْفَجْر وَلَيَالٍ عَشْرٍ)) صدق الله العظيم، قسمٌ إلهيّ لا يكون إلا لعظيم، ولا يُوجَّه إلا لزمنٍ امتلأ بالخيرات، وتفتّحت فيه أبواب الرحمة، وتضاعفت فيه الأجور حتى غدت الأعمال القليلة فيه تعدل الكثير في غيره.
أيام تجمتع فيها جُملةٌ من الفرائض وأمهات العبادات وتتآلف فيها شعائر الدين في أبهى صورها صلاة تُرفع بها الدرجات، وصيامٌ يُطهِّر النفوس، وحجٌّ مبرور تُشدّ إليه الرحال من كل فجٍ عميق ، وصدقاتٌ تُزكّي بها الأنفس والأموال والقلوب! قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ” يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» صدق رسول الله.
ما أحوجنا ونحن نخوض هذه الأيام الفضيلة ان نستشعر روحها ووجدانها ، وأن نحوّلها من أيامٍ عابرة إلى محطات مراجعةٍ ومحاسبة وتقييم للنفس وتغليبها على فعل الخير وتطبيقه (بر الوالدين، صلة الأرحام، زيارة المريض، إغاثة الملهوف، مساعدة المحتاج) إضافة إلى كثرة الأعمال المستحبة من أذكار واستغفار، وقراءة للقرآن وغيره من التهليل والتحميد والتكبير، والعبادات المستحبة.
وفي هذه العشر ، تتوالى المشاهد العظيمة، وتتعاقب النفحات الإيمانية، حتى تبلغ ذروتها في أيام هي تاج الزمان ومفخرة الأيام، تمر سريعاً لتأتي أعظم أيامه،(يوم التروية) والذي يوافق اليوم الثامن من ذي الحجة يوم منى يذهب فيه الحجاج إلى منى للمبيت بها ، استعداداً لأداء الركن الاعظم من أركان الحج وهو (يوم عرفة) الذي يوافق اليوم التاسع من ذي الحجة وهو اليوم الاعظم في الحج، وأفضل ايام السنة هو هذا اليوم، يومٌ تهفو إليه الأرواح، وتقف فيه الجموع شامخةً على صعيد واحد، متجردةً من كل شيء إلا الرجاء والدعاء.
يقف فيها حجاج بيت الله الحرام على صعيد عرفة لأداء الركن الأهم والأبرز للحج وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “الحج عرفة” يغفر الله فيه الذنوب، ويعتق الرقاب من النار، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : «صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ» حيث يُسن صيام يوم عرفة لغير الحاج أما الحاج فلا يُسن له صومه لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في عرفة مفطراً، وذلك لحكمة كون الحاج يواجه مشقة التعب في هذا اليوم، يلي هذا اليوم (يوم النحر) والذي يوافق اليوم العاشر من ذي الحجة يوم عيد الأضحى المبارك وهو أعظم أيام الحج وأكثرها أعمالاً، ويُؤدي فيه حُجاج بيت الحرام مناسكهم الواجبة وهي أربعة (رمي جمرة العقبة الكبرى، ذبح الهدي «الأضحية»، الحلق او التقصير، طواف الافاضة والسعي)، تأتي بعدها ايام التشريق لاستكمال مناسك الحج.
إنها أيام ليست كسائر الأيام، بل هي نفحات ربانية، ومواسم اصطفاء، ومدارجُ ارتقاء، لا يقتصر فضلها على الحجيج في بيت الله الحرام، بل يعمُّ أثرها كل قلبٍ أقبل على الله في أي بقعة من ارجاء الأرض، هي فرصةٌ لا تُعوَّض، ورحلةٌ ربانيةٌ من ضاق عنها خسر، ومن اغتنمها فاز فوزاً عظيما ، فلنغتنمها قبل انقضائها، ولنُحيِ فيها ما أُخمد من أرواحنا، ولنجعل منها بداية صادقةً لعهدٍ جديدٍ مع الله… عهد تُكتب فيه القلوب ضمن الذاكرين، وتُرفع فيه الأسماء في سجل المقبولين، وفقنا الله إلى ما نحبه ونرضاه ويحبه ويرضاه عنا جل في علاه.
