فكثير من المظلومين قد يلتزمون الصمت لأسباب مختلفة؛ خوفا من الأذى، أو تجنبًا للخلافات، أو حفاظا على العلاقات الاجتماعية، إلا أن هذا الصمت لا يعني أبدًا التنازل عن الحقوق أو سقوطها. فالحق يبقى قائمًا، محفوظا في ميزان العدالة الإلهية، لا يضيع منه شيء مهما حاول البعض تجاهله أو إنكاره.
وتبرز خطورة الظلم حين يظن الظالم أن نفوذه أو قدرته على التأثير في الرأي العام كفيلان بإخفاء الحقيقة. فقد تشوه صورة صاحب الحق، أو تختلق المبررات لتبرئة المخطئ، أو تمارس الضغوط لإسكات المظلوم، لكن كل ذلك لا يغير من حقيقة ثابتة وهي أن الحقوق لا تلغى بالتجاهل، ولا تمحى بالمجاملات، ولا تسقطها الكلمات المعسولة أو المواقف العابرة.
ويؤكد المنهج الإسلامي أن حقوق العباد من أعظم الأمانات التي يجب أداؤها، وأن التوبة الصادقة لا تكتمل بمجرد الندم أو الاستغفار باللسان، بل تتطلب رد المظالم إلى أصحابها، والاعتراف بالخطأ، والعمل على إصلاح ما أفسده الظلم وهنا لابد من دعوة واضحة لمراجعة النفس وتصحيح الأخطاء قبل فوات الأوان.
كما أن الانحياز للباطل أو السكوت عن الظلم أو المشاركة في الإساءة إلى الآخرين، سواء بدافع المصلحة أو الخوف أو المجاملة، لا يعفي الإنسان من المسؤولية الأخلاقية والدينية. فكل موقف يتعارض مع الحق يبقى شاهدًا على صاحبه، وكل مظلمة تنتظر يوما ترد فيه الحقوق إلى أهلها.
إن المجتمعات التي تحترم الحقوق وتؤمن بالعدالة هي المجتمعات القادرة على تحقيق الاستقرار والتماسك. أما المجتمعات التي تسمح بضياع الحقوق أو تبرر الظلم، فإنها تفتح أبواب الفتن والانقسامات وفقدان الثقة بين أفرادها.
ويبقى الحق حقيقة راسخة لا تتأثر بالأهواء ولا بالمصالح. قد يتأخر ظهوره، وقد يطول انتظار أصحابه، لكنه لا يموت ولا يندثر. فالحق سيظل حيا ما دامت هناك عدالة إلهية لا تغفل، وما دام هناك يوم ترد فيه المظالم إلى أهلها.
فالحق لا يسقط، ولن يموت، وسيظل باقيا حتى يعود إلى صاحبه، أو يقضي الله فيه يوم لا تضيع الحقوق ولا تهضم المظالم.
