كيف غيّر مركز القلب في تعز خريطة الجراحة المتقدمة رغم الحصار؟

14 أكتوبر / خاص :
تقرير/ موسى المليكي:
في مدينة أنهكتها سبع سنوات من الحرب، حيث الجوع والحرائق والسيول قصص يومية، وحيث تخلى الجميع عن الضعفاء إلا القليل، كان هناك نبض آخر لا يتوقف. نبض مركز القلب والأوعية الدموية في تعز، الذي لم يكن مجرد مشروع طبي، بل كان معجزة انبثقت من رحم المعاناة، ليصبح قصة إنسانية تليق بخلية الأعمال الإنسانية التي لم تغب أبداً عن جبهات الألم.
الجسد: أرقام تصرخ وإنجازات تبكي
في وقت كانت فيه المنظمات تبحث عن مخرج، كان الدكتور أبو ذر الجندي يبحث عن مدخل إلى أعقد العمليات الجراحية. قرر العودة من السعودية إلى تعز، ليس لأن الظروف آمنة، بل لأن الإيمان بأن التغيير يبدأ من الداخل كان أقوى من كل الرصاص والحصار.
منذ افتتاح المركز في عام 2021 وحتى نوفمبر 2025، تحولت الأرقام إلى ملحمة:
1200 عملية قلب مفتوح - كل عملية تعني عائلة كاملة عاد إليها الأب أو الأم من بوابة الموت.
140 عملية زراعة كلى - حياة جديدة لمن كانوا ينتظرون الموت على قوائم الانتظار.
2000 عملية أوعية دموية - أرجل لم تُبتر، وأدمغة سلمت من الجلطات.
أكثر من 2500 مريض شهرياً - رقم يتجاوز قدرة أي مركز في دولة محاصرة، لكنهم استوعبوه بقلوب أكبر من جدران المستشفى.
الإنجاز الذي أبكى اليمن والعالم العربي
أول عملية مركبة في اليمن والعالم العربي جمعت بين جراحة القلب المفتوح وزراعة الكلى في آن واحد. عملية واحدة أطفأت نارين في صدر وبطن مريض واحد. هذا ليس مجرد إنجاز طبي، بل هو درس في كيفية هزيمة المستحيل بقوة الإرادة اليمنية الخالصة .
ثم تلتها ثلاث عمليات زراعة كبد هي الأولى في اليمن، نفذها فريق طبي يمني 100 %، لم يغتربوا ولم ينتظروا نجدة من الخارج، بل صنعوا المجد بأيديهم في مدينة كانت طوال الحرب تئن تحت القصف.
فلسفة الخلية: الرعاية حق وليست رفاهية
يقول الدكتور الجندي: «الرعاية الصحية حق للجميع، وليست حكراً على القادرين». ولهذا فإن المركز يعمل بنظام Cross Subsidized Model، حيث يغطي فائض تكاليف من يملكون تكاليف من لا يملكون.
القسطرة العلاجية الإسعافية مجاناً
عمليات القلب المفتوح وزراعة الأعضاء بمساهمات رمزية لا تذكر.
هذا هو عين ما فعلته خلية الأعمال الإنسانية في لحج ومأرب وعدن والخوخة وحيس، حين قالت للفقراء والمتضررين: «أنتم أولونا».
تحديات بطلها فريق يمني
لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود. فالمركز لم يتلق أي دعم مالي حكومي بسبب الحرب، واكتفى الدعم الرسمي بتوفير المبنى فقط. ومع ذلك، بنى المركز شراكات دولية مع ألمانيا وتركيا وبريطانيا وأمريكا عبر برنامج «الطبيب الزائر».
المستقبل: مستشفى القلب لليمن كلها
خمس سنوات تفصل تعز عن أن تصبح عاصمة جراحة القلب وزراعة الأعضاء في اليمن. هناك تقنيات جديدة دخلت بالفعل، مثل التدخل المحدود بالمناظير، واستعداد لبدء زراعة الصمامات بالقسطرة. وهناك برامج دكتوراه وماجستير في جراحة القلب وباطنة القلب والمسالك البولية،
هي الأولى من نوعها في اليمن.
رسالة إلى العالم
يقول الدكتور الجندي في نهاية حديثه: «أن توقد شمعة خير، خير من لعن الظلام». وهذه هي بالضبط خلاصة قصتنا مع خلية الأعمال الإنسانية في كل اليمن، ومع مركز القلب في تعز بشكل خاص.
عندما غابت المنظمات وتأخرت قوافل الإغاثة وتخلى الجميع عن مسؤولياتهم، كان هناك يمنيون يزرعون الحياة في أرض الموت، ويصلحون القلوب في زمن تكسرت فيه كل القلوب.
لتعز وللجندي وفريقه.. ولخلية الأعمال الإنسانية التي أوقدت الشموع حيث لا يرى أحد شيئاً.. كل التقدير.
