كيف أعادت وزارة الصناعة والتجارة تشكيل دورها الاقتصادي في أصعب الظروف
لم تكن تجربة وزارة الصناعة والتجارة خال السنوات الماضية مجرد أداء إداري اعتيادي لمؤسسة حكومية، بل كانت تجربة إعادة تأسيس حقيقية لمؤسسة اقتصادية سيادية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ الدولة اليمنية.فبعد انقاب مليشيا الحوثي وانتقال مؤسسات الدولة إلى العاصمة المؤقتة عدن، لم تنتقل الوزارة كما تنتقل المؤسسات في الظروف الطبيعية، محمّلة بأرشيفها الكامل وإمكاناتها الإدارية والتنظيمية. بل جاءت إلى عدن حاملة اسمها فقط، تاركة خلفها معظم الوثائق والبيانات والبنية المؤسسية التي تشكل ذاكرة أي وزارة. لكن ما بدا في حينه خسارةً قاسية، تحوّل سريعًا إلى لحظة تأسيس جديدة أظهرت قدرة الكادر الوطني على تحويل التحديات إلى فرص لإعادة البناء.لقد بدأ العمل من الصفر تقريبًا: إعادة تشكيل الإدارات العامة، بناء قواعد البيانات، وضع خطط العمل والبرامج التشغيلية، وإعادة ترتيب المهام والمسؤوليات بما يتلاءم مع واقع الدولة الجديدة ومقتضيات المرحلة.ومع مرور الوقت تشكلت داخل الوزارة منظومة مؤسسية متماسكة يقودها فريق قيادي وإداري يدرك طبيعة المرحلة وتعقيداتها، ويستند إلى خبرة الكادر الوطني وإيمانه بدوره في حماية الاقتصاد الوطني.ولم يقتصر هذا البناء على إعادة تنظيم العمل الداخلي، بل امتد ليشمل إعادة تفعيل الدور الاقتصادي للدولة عبر قطاعات الوزارة الأربعة. ففي قطاع التجارة الخارجية، عملت الوزارة على استعادة حضور اليمن في المنظمات الاقتصادية الإقليمية والدولية، وتجديد الاتفاقيات التجارية وتعزيز التواصل مع الشركاء الدوليين والجهات المانحة، بما يضمن استمرار تدفق السلع الأساسية إلى الأسواق اليمنية رغم الظروف الاستثنائية.أما قطاع التجارة الداخلية وحماية المستهلك، فقد وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع أزمات عالمية متلاحقة، بدءًا من جائحة كورونا وما أحدثته من اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، مرورًا بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي هددت مصادر الغذاء العالمية، وصولً إلى اضطرابات الملاحة الدولية في البحر الأحمر.ورغم هذه العواصف المتتابعة، استطاعت الوزارة عبر فرقها الميدانية في الديوان العام ومكاتبها في المحافظات الحفاظ على استقرار الأسواق وضبط أسعار السلع الأساسية وتأمين توفرها.وقد تحقق ذلك عبر شراكة حقيقية وصادقة مع القطاع الخاص الذي ظل لاعبًا محوريًا في استقرار الأسواق، وهو ما يؤكد أن استقرار الاقتصاد ليس نتاج القرار الحكومي وحده، بل نتيجة توازن مؤسسي بين الدولة والقطاع الخاص.وفي قطاع خدمات الأعمال، شهدت الوزارة نقلة نوعية في تنظيم البيئة التجارية، عبر بناء قواعد بيانات حديثة للسجل التجاري وتنظيم الوكالات والعلامات التجارية، بما أسهم في حماية حقوق التجار والمستثمرين وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات والمؤسسات.أما قطاع الصناعة، فقد عمل على وضع الأسس الأولى لنهضة صناعية وطنية عبر إعداد الاستراتيجية الصناعية ووضع خطط لتوطين الصناعات وتعزيز حماية المنتج الوطني. لكن الركيزة الحقيقية لكل هذه الإنجازات لم تكن الهياكل التنظيمية ولا القوانين فقط، بل كانت الاستثمار في الإنسان.فقد أولت الوزارة اهتمامًا خاصًا بتأهيل وتدريب وتمكين الكادر الوطني، وبناء قدراته المهنية والمؤسسية، وتعزيز التنسيق بين الديوان العام ومكاتب الوزارة في المحافظات، بما يعزز وحدة الأداء المؤسسي ويضمن فاعلية العمل في مختلف المستويات.لقد جرت هذه المسيرة في ظل حرب اقتصادية شرسة وأزمات عالمية متلاحقة، لكن الوزارة استطاعت بفضل قيادة واعية وكادر وطني مخلص أن تحافظ على استقرار الأسواق وتأمين السلع الأساسية للمواطنين.إن تجديد الثقة بقيادة الوزارة ممثلة بمعالي الوزير الأستاذ محمد الأشول وفريقه القيادي والإداري يمثل تقديرًا لمسيرة عمل مؤسسي شاق أسهم في ترسيخ دور الوزارة كأحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي في البلاد.واليوم، وبعد سنوات من العمل في ظروف استثنائية، يمكن القول إن وزارة الصناعة والتجارة لم تعد مجرد مؤسسة أعيد بناؤها بعد الحرب، بل أصبحت نموذجًا لقدرة المؤسسات الوطنية على النهوض وإعادة التشكل حتى في أكثر اللحظات صعوبة.فالوزارة التي وصلت إلى عدن باسمها فقط، استطاعت بجهود كوادرها أن تبني مؤسسة متماسكة، وأن تستعيد دورها الاقتصادي، وأن تحافظ على استقرار الأسواق في زمن العواصف. وهذا ليس مجرد إنجاز إداري، بل درس مؤسسي يؤكد أن قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها.*نائب وزير الصناعة والتجارة
