نبض القلم
الحسبة وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين ، يعين لذلك من يراه أهلاً له ، ويتخذ الأعوان ذلك. وتقتصر أعمال المحتسب في مراقبات شتى أمور الدين والمعايش والتربية ومنافع الناس، ويرى أبن خلدون في مقدمته الشهيرة أن المحتسب يتولى أمره ابتداءً عند رؤيته المخالفات دون أن يرى تنازعاً بين الخصوم ان ينتظر استعداء من أحد الخصوم ، بل له النظر والحكم فيما يصل إلى عمله من ذلك من غير أن يكون من حقه إمضاء الحكم في الدعاوى التي يجب أن ترفع مع بيناتها إلى القضاء. وكما يراها ابن خلدون فهي وظيفة أقل من رتبة القاضي ولكنها تكون في خدمته ومعونتة ، وقد قال : إنها كانت داخلة في عموم ولاية القاضي ، يولي فيها باختياره. ووظيفة الحسبة في الدولة الحديثة قد توزعت بين سلطات مختلفة، وحيثما تتبعنا هذه السلطات وجدنا للحسبة مكاناً متميزاً: فهي في السلطة الدينية تتمثل في الواعظ الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وتتمثل في المؤذن وإمام المسجد والخطيب ، الذين عليهم مراعاة وقت الأذان والإقامة وحساب الزمن عند إقامة الفريضة .وهي في وزارة التربية والتعليم تتمثل في مدير المدرسة والموجه التربوي والمرشد الاجتماعي الذين يمنعون تطبيق العقوبات على التلاميذ الصغار خوف إصابتهم بعاهات أو أضرار بدنية ، أو التحذير من تدني التحصيل الدراسي ، أو التنبيه للظواهر السلوكية الخطيرة .. الخ. وهي في وزارة التجارة والصناعة تتمثل في مراقبة الأسعار ، وصناعة الخبز ، والإشراف على نوعه ووزنه ونظافته، وفي مراقبة الموازين والمكاييل ، وما شابه ذلك ، لمنع الغش وتطفيف الكيل والميزان والكسب الحرام. وهي في وزارة الداخلية تتمثل في تحقيق الأمن والاستقرار ، وفرض هيبة الدولة ، والتصدي لكل مظاهر الشغب والفوضى ، وحماية النظام العام ، وسيادة القانون. وهي في وزارة الأشغال العامة تتمثل في ضمان سلامة المباني ، ومراقبة صلاح الطرقات ، والجسور والأنفاق ، وعدم السماح بالبناء العشوائي، والبسط على الأراضي ، وتنظيم عملية تخطيط المدن ، وبناء الأسواق والدكاكين والمرافق العامة. ونستدل مما سبق أن وظيفة المحتسب في الدولة الحديثة تتوزع بين وظيفة دينية ووظيفة دنيوية ، ولابد أن تتوزع أعمال المحتسب بين ناس كثيرين وجهات متعددة ، ولا تقتصر على جهة معينة ، أو شخص محدد، فوظيفة المحتسب ليست إصدار الأحكام ، ولكنها تطبيق الأحكام وفقاً للقوانين النافذة ، والآداب المتبعة ، والعادات المألوفة ، ولاتخرج حركتها عن إطار هذه الأمور. ولقد كان من شروط المحتسب قديماً حين كان له سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون فقيها عالماً بالوجوه المختلفة للأحكام ، وقادراً على ترجيح الآراء المتباينة فيها ، حتى إذا صدرت منه بعض الأحكام لم تكن على هواه أو تعصبه ، بل يترك للناس فسحة من التيسير . ولا يجوز أن يتولى هذا النوع من الحسبة إلا من كان عارفاً بالمنكرات المتفق عليها، وأن يكون عاقلاً بصيراً ، معروفاً بالعدل ، وذا ضمير ، وأن يكون ذا صرامة وغير متهاون في الدين والحق. وكان للمحتسب شأن عظيم في الدولة الإسلامية فهو يساعدها في انتظام أمورها، أما في الدولة الحديثة فإن وظيفته توزعت بين عدة سلطات ، استوجبتها متطلبات الحياة المعاصرة ، وتعقيداتها، إلا أن الوظيفة الأساسية للمحتسب بقيت محصورة في التصدي لكل ما تفسد به النفوس ، وتخبث به الآداب .[c1]* إمام وخطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان) [/c]
