نبض القلم
لو أراد متدبر أن يحصي وجوه الشبه بين بعض الناس وبين الأغنام لوجد كثيراً من وجوه الشبه بينهما منها : إن الأغنام ترتع لتشبع, ولا يهمها أن تملأ جوفها بالطعام من أي مكان, وبأي سبيل, دون فكرة تهديها أو عقيدة تبنيها, أو مكرمة ترتجيها, أو كرامة تصونها, وكذلك بعض الناس شغلهم نداء البطن, وموسيقى الأمعاء, وشهوة البدن, عن رفيع المبادئ وكريم الخصال, واستبد بهم تنافسهم الأثيم حول خسيس المطالب, وأدنى المآرب, وزيف المراتب والمناصب, فصاروا كالأغنام الهائجة تتهارش وتتناطح وتتزاحم على توافه الأشياء وأحقرها, بلا عقل أو هداية. الأغنام تترك في مرعاها ثم لا تكتفي بما يساق إليها, بل تحوم حول الحمى حتى تقع فيه, فهي تنال من أشياء سواها, وتعتدي على حق غيرها, دون النظر إلى ما يجره ذلك عليها من عواقب وخيمة, ونتائج سيئة, وبعض الناس كذلك أتاح لهم ربهم فرصة الحصول على الكسب الحلال بحرية, وأحل لهم الطيبات, وحرم عليهم الخبائث, ومنحهم ما يكفيهم من الرزق الحلال, ولكنهم مع ذلك لم يقتنعوا بالرزق الحلال, ولم يستمتعوا إلا بالقليل منه, لأنهم يمدون أيديهم إلى الحرام, وتتطلع أعينهم إلى الممنوع والمحظور, فيتركون المال الطهور, والعمل الشريف, والمطعم النظيف والشيء الطيب المباح, فيلجأون إلى السحت والإجرام للحصول على المال الحرام, وإذا ما عابهم عائب على كثرة التردي في هاوية الإجرام, وتكرار الوقوع في مستنقعات الفساد, تعللوا باشتباه الأمر عليهم. ومن عجيب الشبه بين بعض الناس والأغنام أن الأغنام يصدها الراعي مراراً وتكراراً عما ليس لها, ليجنبها الضرر, ولكنها تنفر منه وتسيء الظن به, وتخالف تعليماته, وكذلك بعض الناس الذين إن جاءهم واعظ ليرشدهم إلى ما ينبغي فعله, أو أتاهم مرشد ليدعوهم إلى رفعة ويصدهم عن خنوع, سخروا منه واستهزأوا به. والأغنام تلد خرافاً كثيرة العدد, ولكن تلك الخراف تصبح مطمعاً للجزار الذي لا يلين له قلب, فيقوم بذبحها بلا رحمة ولا شفقة, وقد تشهد النعجة مصرع وليدها على سكين الجزار, ولكنها لا تحرك ساكناً إزاء ذلك, وإذا ما حركت فإنما تتحرك لتنجو بنفسها بعيداً, وليذهب وليدها إلى الجحيم.وكذلك بعض الناس الذين ينجبون الأولاد, ولكنهم ينشغلون عنهم بذواتهم, فيتركونهم دون رعاية, أو يهملون تربيتهم, فيصبح الأولاد ضحايا الإهمال, فيعيشون بلاخلق ولا تأديب ولا رعاية, وربما ينشغلون عنهم بأمورهم الخاصة, أو يبتعدون عنهم نتيجة الخلافات الزوجية, فتنقطع الصلة بين الأب وأبنائه, فيستهين الوالد بولده, ويستخف الولد بأبيه, وعندئذ لا حرمة للأب عند ابنه, ولا رحمة عند الوالد لابنه, وقد يساق الوالد إلى الأخطار فلا يحرك الولد ساكناً, وقد يقع الولد في مهاوي الشقاء فلا ينجده والده, وما ذلك إلا لأن الوالد أهمل أبنه, فلم يغمره بفيض حنانه, ولم يغدق عليه من فيض تربيته, ولم يحطه بسياج رعايته.* ومن أوجه الشبه الأكثر بروزاً بين بعض الناس والأغنام أن الأغنام لا تبالي أن تنام في المكان الوسخ أو ارتياد الموضع القذر, ولا ترى ضيراً في أن يعلق بها الروث, وكذلك بعض الناس الذين لا يعنون بالنظافة, ولا يكترثون بالقاذورات, والأدهى من ذلك أنهم يلوثون أنفسهم بالسيئات والأعمال المنكرة, ولا يتريثون ليعرفوا ما يليق بهم أن يفعلوا ومالا يليق فعله.* إمام وخطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)
