صباح الخير
يقول هيكل : في كتابه «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل» تنشأ المقدسات : المحرمات في حياة الأمم والدول - كما في حالة المجتمعات والأفراد - لأسباب قوية ، لها دواعٍ حقيقية ترسخ في العقول والقلوب ، وربما تغيب الأسباب عداً وحصراً في ضباب الزمن مع كر السنين ؛ لكن الأثر الذي تتركه هذه الأسباب يغوص ويسكن في أعماق ما يمكن تسميته بالوجدان سواء على المستوى الفردي للناس أو على المستوى الجماعي للأوطان . وهم يطيعون نداءه الخفي والمستتر واثقين بشكل ما أنهم على حق ، موقنين بطريقة ، أو بأخرى أنه سلامتهم وسلامهم .حقاً..تأتي المقدسات في هيام العقل لتصنع المعايير لتصبح الضمان الاجتماعي، ولتحقق السلامة والعدالة الاجتماعية كإطار تشريعي ، ثم تأتي مرحلة إيمان القلوب لتعمر في الوجدان كحقيقة مطلقة ، ولا تقف عند تلك الحدود في غياب الأسباب التي أثيرت في ضباب الزمن مع كر السنين ، وهي بوصلة طبيعية لا تتناقض مع صيرورة الزمن .. إلا أن ما هو مثير للسخرية عندما تضيع البوصلة الحقيقية للمقدسات للحديث عن المحرمات ويتحول الكر إلى فر .إن بذور المقدسات : المحرمات العربية تجاه الصهيونية وإسرائيل تعود في بدايتها وأصولها إلى القرن التاسع عشر، وهو من أوله إلى منتهاه واحد من أهم قرون التاريخ سطوة ونفوذاً على العصور الحديثة اللاحقة له .وفي هذا السياق يشير «هيكل» إلى أن المسألة اليهودية لم تتجاوز الواقعين الاقتصادي والاجتماعي .. وهم صنيعة أزمة اجتماعية لمجتمعاتهم ، وهي تتحرك في حيز بين الولاء لأبناء دينهم ، وبين حساسيتهم لمجتمعاتهم الأم ، تلك المجتمعات المسيحية التي ترعرعوا فيها .إن ما جاء في نداء «نابليون بونابرت» الموجه لليهود الذي جاء في نهايته:«سارعوا.. إن هذه اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم في تلك الحقوق التي سلبت منكم لآلاف السنين وهي وجودكم السياسي كافة بين الأمموحقكم الطبيعي المطلق في عبادة إلهكم يهواه ، طبقا لعقيدتكم ، وافعلوا ذلك في العلن وافعلوه إلى الأبد»إن نداء نابليون بونابرت لم يعكس سوى صورة هتلرية ، ولكن هذه المرة بشكل معكوس ، ونداءه لم يكن يعبر عن رؤية نبي ، وإنما كانت رؤية إمبراطور يملك حساً استراتيجياً نابهاً ، وصاحب رؤية عسكرية .استطاعت المنظمة الصهيونية ان تستفيد من باحثيها بشتى ألوانهم لصناعة دين جديد من مدخل صهينة الدين اليهودي.. لصناعة عقيدة وطنية لمجتمع ديني فسيفسائي ، فاستطاعت المنظمة الصهيونية ان تعيد تصنيع المعتقد والفلسفة ، إلا ان الباحثين في التاريخ الديني لليهودية من اليهود وغير اليهود توصلوا إلى ما هو مثير للسخرية، كما علقوا بذلك ، فتبين لهم حجم الفجوة لذلك التاريخ الديني ، واستحالت بها ومن خلال ذلك التزييف ان تنزل النبوءةعلى سيدنا موسى عليه السلام .ولعل استراتيجيات الدول في ذلك العصر، وحتى عصرنا هذا كانت ومازالت تتحرك وفق المصالح المشتركة ، ورؤيا جديدة معاصرة وغريبة بمثابة لغة السوق والتاجر ، فما للصين في إيران ، والاتحاد السوفيتي في المستوطنة الإسرائيلية ، ولبريطانيا في المناطق العربية والغير عربية ، وما لأمريكا في الخليج العربي سوى أكثر من سيطرة وأسواق ، فتارة تأتي عبر الأساطيل والجيوش ، وأخرى عبر الايدولوجيات . وفي نهاية المطاف يبقى الدم أخف وزنا من النفط ، فلا مانع من صناعة العروش الأبدية لتمرير تلك المصالح . ولكن من غير المستغرب حين تتحول الشعوب إلى صناع نعوش لتلك الأنظمة ولتلك العروش ، ويبيتون قاب قوسين أو أدنى من «وصمة مؤامرة» ، فهم أدنى من احتلال تلك العقول التي عاشت ورضيت ديمومة لم تتجاوز حقبة مظلمة من التاريخ وأدت إلى اختلال العلاقة والتي دون أدنى شك سيغيب فيها النفوذ.فالشعوب لفظت حقبة الاستسلام القدري المطلق ، وخرجت عن الصمت المدقع، واختارت الحركة التحريرية من أصفاد فقر الكرامة . ومن الجدير بالذكر أن تجد توافقية العروش مع تمرير مصالح تلك الدول العظمى - الاستعمارية بفرض الأمر الواقع . ولكن ما أكدته تجارب الشعوب في ظل ولادة عظماء الثورات ان تتحرك تلك النخب بعيدا عن زعامات الدمى. ولكن علينا التفريق والتمييز بين تجار مراحل النضال ،أو تجار انجازات الشعوب والثورات المغلفة بمصالح الأحزاب التكفيرية التي تهيم في مسطحاتها الخالصة. فهناك من قادوا واقتادوا مسيرة طويلة من الدماء ليصبوا في نهاية المطاف في حلة المصالح الحزبية متجاوزة كل المفاهيم والقيم الوطنية والدينية. معظم من استمدوا شرعية بقائهم واستمرارهم من الشهداء والأسرى ، بوسيلة المنهج العقائدي ، هاموا وغيبوا مصالح العامة من اجل مصالح الخاصة التي هم في أوساطها يتربعون على عروش مجتزأة ، تبدل الكلمات ، تتلاعب بالقيم كي تستمد حركة بقائها ، لم يتوقف الأمر عند حدود هذا الواقع بل امتد خيالها لتصبح شمولية ، واقصائية بمغلفات تمرر بعض عباراتها باسم المصلحة العامة ، ونجحت في ذلك إلى حد كبير ، لأن الشعوب تخدع كثيرا من عواطف حاملي الرايات . ولكن لو دققنا الفحص نجد ان ما يغلبونه هو مصالح حزبية خالصة على مصالح العامة ، رغم وقوعهم في الأخطاء القاتلة الا أنهم يمررون على الناس الكثير من تلوناتهم بالتورية .
