صباح الخير
في كتابه القيم الموسوم بـ (الثقافة الشعبية في العالم العربي.. الفنون، السياسة، الاعلام) خلص الصحفي الانجليزي المعروف (اندروهاموند) الى جلاء حقيقة ظاهرتين لاتخلوان من التناقض لخصهما في الآتي : “في الوقت الذي اخفقت فيه الحكومات العربية - على مدى العقود الخمسة الماضية - في توحيد المنطقة سياسيا، نجحت الثقافة الشعبية العربية في توطيد الشعور بالهوية العربية المشتركة” (مجلة العربي - العدد 589 - ديسمبر 2007م - عرض إبراهيم فرغلي - ص 236).مما تقدم نستشف الاهمية والمكانة القيمية لـ (الثقافة الشعبية) في توطيد اللحمة المجتمعية، لنتوقف بدورنا امام واقع التنمية الثقافية الشاملة بين أوساط المجتمع اليمني، وتحديدا تلك التي تتعلق بعامة الناس وتنتشر على جميع المستويات المجتمعية، والتي يطلق عليها علم الاجتماع مصطلح “الثقافة الشعبية” وتسميها الأحزاب في علم السياسة بـ “الثقافة الجماهيرية”.إذ أن الهدف المرجو من وراء ايلاء اهتمامات خاصة بنشر هذا النوع من الثقافة، وأستشراف دمج فنونها وتفاعلاتها في اوساط مجتمعنا اليمني، يؤدي الى رفع مستويات الوعي الشعبي الشامل بضرورات تعزيز اواصر الوحدة الوطنية بين أفراد المجتمع اليمني الواحد، ومحاربة الفساد والظواهر السلبية الاخرى.إن الثقافة الشعبية بوصفها فعلا قيميا، تهدف عادة الى تمتين قيم التكافل والاعتدال في مواجهة الغلو والتطرف، وتأصيل قيم التسامح والانفتاح على الآخر ونبذ التعصب والعصبية القبيلة، وتجذير الاحساس بالحياة والمساواة والعدالة الاجتماعية، وتجفيف منابع الفساد وغير ذلك.وبنظرة متفحصة في المشهد الثقافي اليمني، باتجاه دور الأحزاب والتنظيمات السياسية، تطالعنا حقيقة مؤسفة تدل على وجود فجوة أو هوة بين اهتمامات هذه الأحزاب بالتنمية الثقافية، وبين اهتماماتها بالثقافة السياسية على حساب التنمية الثقافية. لهذا تغيب في ادبياتها وبرامجها هذه التوجهات نحو لعب دورها في التنمية ، وعلى وجه التحديد الثقافة الشعبية.وان كانت الاحزاب والتنظيمات السياسية ، وكذا منظمات المجتمع المدني افردت حيزا في برامجها وادبياتها لثقافة كفعل قيمي شامل، فإن النتيجة المؤلمة تقول بغياب المشروع الثقافي الحقيقي وطغيان الثقافة السياسية، باستثناء بعض المشاريع الصغيرة والمحدودة في مجالات التنمية الثقافية، وتنحصر عادة في مجالات الاصدارات الدورية للمجلات وبعض الملتقيات الشبابية والمخيمات، وصفحة او صفحتين للثقافة في صحفها الحزبية.والمضحك والمبكي في آن معاً أن كل حزب او تنظيم سياسي يصر على أنه الحزب المتفرد في لعب دوره في التنمية الثقافية كفعل قيمي، وما عداه من الاحزاب الاخرى فلا وجود لديها للتنمية الثقافية.دعونا من ادعاءات الاحزاب والتنظيمات السياسية التي تنضوي غالبا تحت مظلة الدعايات الانتخابية، ولنسأل انفسنا جميعا: هل نلمس - راهنا - مستويات متقدمة في دمج وتفاعلات الثقافة الشعبية بين ابناء المحافظات والمناطق والموروث الشعبي؟! أنا اقول لا أعتقد .. فإن وافقتموني في اعتقادي هذا فعلكيم بالثقافة الشعبية : ففي دمجها وحراك تفاعلاتها يكمن سر تعزيز وتمتين الوحدة الوطنية.
