بين النبوءة ... والرؤيا الإبداعية
محمد مرشد الأهدلفي السنوات الأخيرة ومع بداية العقد الأول من هذا القرن، تخطت الرواية اليمنية مرحلة طفولتها فحظيت بالإقبال والرواج حد الاستثارة.. وبرز في المشهد الثقافي اليمني جيل من المبدعين منفتح على هذا العالم بطرقه الوعرة أمام تيارات التحديث، وذلك على الرغم من محدودية التجربة التي شرعت بالبحث عن حساسية جديدة للغة والشكل في هذا النوع الأدبي الأقل تطوراً في اليمن.وضمن إصدارات الهيئة العامة للكتاب ، صنعاء - الجمهورية اليمنية، صدر مؤخراً للأديب الناقد والقاص أديب قاسم عن مطابع اليمن الحديثة رواية «النمر الأرقط والكلاب» التي استوعبت ما يناهز مائتي صفحة من القطع المتوسط. وقد ازدان غلاف الرواية بلوحة تزيينية معبرة بريشة الفنان أحمد عبد العزيز جسدت تواشيح الرؤيا الإبداعية لمضمون هذا العمل الأدبي ومثار الدهشة التي يولدها الانفعال الصوفي التجريدي فأضفت عليه قيمة فنية جمالية اتسمت بالدلالات العميقة.وجاء في الوجه الأخير للغلاف تحت عنوان«في هذه الرواية» جانب من القص يتميز بتكثيف تعبيري.. نجتزئ منه هذا المشهد:« أقترب كلب الروديسي Rhodesian من شجرة الزيتون دون خوف من بطش النمر الأرقط ، بل أسند ظهره على جذعها مطمئناً إلى أنه سوف يكون في مأمن ، فحدقت فيه جميع الكلاب.. ونبح بصوت حزين.. وخطب في الكلاب:“ يا معشر الكلاب، كثيرون سيقولون باسمك يا رب تنبأنا.. فأعددنا لقيام الساعة..وباسمك أخرجنا النمر من داره .. وباسمك صنعنا قوات كثيرة.والحق أقول لكم ، إذا وضع الفأس في أصل الشجرة ، يصنع الله من الحجارة أولاداً للنمر”توقف برهةً وصوّب عينيه في وجوه القوة العسكرية بنظرات نافذة عميقة جعلتها تندفع إلى الخلف وإلى الأمام يسيطر عليها الرعب، فدبًّ الضعف في قلوب الكلاب..ثم أضاف وقد ترقرقت الدموع في عينيه:“ تركتمونا نعيش في ظلال ، ودفعتم بنا إلى حلق الموت! .. قلتم إن الشعب الذي يملك الأرض غير موجود، ولكن هنالك شعب من النمور يملك هذه الأرض.. إنني لم أكن أعرف ذلك! وشاهدت الأشجار محملة بالثمار.. فمن الذي زرعها ؟ إنه شعب النمر الأرقط!.. لقد كانت لهم بيوت جميلة، ولكن كان على قادة الكلاب أن يتظاهروا بعدم رؤية تلك البيوت” وهمد بعض الوقت.. ثم رفع كفيه ونظر إلى السماء: “ سلام للمطرودين من ديارهم الذين قيلت عليهم كلمة شريرة، لأن لهم ملكوت السموات”.والتفت إلى عيني النمر الأرقط فبسط له النمر يداً للمصافحة.. ومن أقصى السماء جاءت حمامة وجثمت على الشجرة، ولمعت عينا النمر المتقدتان بل المضيئتان من خلال تحديقه في الروديسي الذي شقّ الصفوف ومضى في طريقة يترنح في ضوء القمر”.ورواية”النمر الأرقط...” في شكلها ومضمونها وتجلياتها عمل فني أدبي ثري اتسم بالجرأة في طرح واحدة من أهم قضايا العصر المعقدة والشائكة وأكثرها جدلاً لدى قطاعات واسعة من المثقفين فيما أخذت حيزاً كبيراً في المشهد السياسي والثقافي الذي يؤرق الإنسان العربي!.. تلك هي ملحمة الصراع العربي- الإسرائيلي، قضية العرب الجوهرية التي يحتدم حولها الخلاف في أورقة السياسة الدولية بين حق المقاومةResistance وبين ما يسمى الإرهاب Terrorism،لا سيما إرهاب الدولة المنظم الموجه ضد شعب أعزل يعاني الاحتلال ، وحيث يصبح الإنسان هو القضية محك هذا الصراع.غير أن الرواية تجتنب هذه المباشرة ، أي النسخ الخارجي للواقع فهي عمل مشحون بالرؤى ، يعرض لنا الحدث المجرد الذي يحتضن كائنات تمور بالحياة وتتعرض للصدمات والصدمات المضادة التي تملك عليك وجودك دون الحاجة إلى غلاف من التعليقات... ولغة الرواية تفوح بالألفة التي تنساب دون جهد، فيما اتصفت بحميميةٍِ شعرية ، تتسق مع عبارة أبي حيان:(أعذب الكلام ما كان شعراً اتخذ صورة نثر، أو كان نثراً اتخذ صورة شعر).. فالعبارة بسيطة وجميلة وفيها سلاسة اللفظ المتولد من شجرة اللغة العتيقة حين يتخذ طابعاً محليا، وهو ما يجعل الشخصيات في تمايزها تتحدث بلغاتها الخاصة بحسب مستوياتها الذهنية وموقعها داخل النسيج الاجتماعي.ويبرز في هذه اللغة جلال الصورة الباعثة على الأسى والحزن.. لتنفتح على ظلال المعاني التي تذهب أبعد مما يبدو على السطح ما يعني تعدد جوانب الرؤية براميها وأهدافها البعيدة.وفي حديث ضافٍ مع مؤلف رواية “النمر الأرقط والكلاب” عن المنهجية “الأسلوبية” التي أعتمدها أجاب:”من الناحية الفنية لقد حاولت في هذه الرواية قراءة الصراع العربي الإسرائيلي من زاوية مختلفة عما اجترحه إخواني الروائيون العرب الذين سبقوني في عرض هذه القضية، وذلك في دغدغة ساحرة عن طريق استخدام الرمز الحيواني المتضمن مساحة من الشر مع احتمالات ((الخير)) خارج التوقعات، وبعيداً عن العاطفة والتسطيح او التنميط (الخطب والحماسة والغنائية المسطحة)واقتربتُ من المعالجة العقلانية في مسارها الإنساني.لقد حاولت أن ارتفع بالموضوعية الوطنية إلى التعميم الإنساني (ما يحدث هنا يمكن أن يحدث في مكان آخر ،بل في كل مكان ) إذا هي رواية أرض البشر .. ارض الأديان الكبرى التي تنقلنا من الفردوس والبراءة إلى الموت .. إنها مجاز بالغ الشمول وتراجيدي للوضع الإنساني ، وهي نتاج عصرنا .. ولم أجعل الإسرائيلي شخصية شريرة سوداء ذات بعد واحد ..بل كإنسان يتألم ويندم على تدمير غيره وتعريض شعبه للقتل في أرض يشعر أنه لا يمتلكها وإن على المستوى التاريخي، وذلك من خلال تعدد مستويات النص.. فالحياة تتوالد وتتغاير وتتجدد.. فهنا يعيش اليوم شعب ما، وفي هذا المكان طالما عاش هذا الشعب، وحافظ على استمرارية العيش وإخصاب الأرض بينما هجرها غيره.وإنسانية الفلسطيني جعلته لا يتوقف عند وجه واحد للعدو.. ولم تمنعه من المقاومة ومن مزاولة الحب.. وكانت مقاومته العدوّ عن طريق التشبت بالأرض، وعن طريق التنمية الديموجرافية ، أي عن طريق التكاثر وتأكيد الوجود وتثبيت الهوية.. وفي هذا التواقع مع المكان كانت التضحية والاستشهاد “. وكان الكاتب أديب قاسم قد صدر روايته ((النمـر الأرقط والكلاب)) بإهداء وجهه الى جميع نمور العالم التي لا تميل إلى التطرف.. أما وقد وجه جانبا من إهدائه إلى نوع واحد من الكلاب عدا أنواعها الأخرى الزاحفة من الغرب، فهذا يعيد إلى الأذهان ما ورد في الأثر:”يأتي زمان تتكالب فيه الأمم على أمتي كما يتكالب الأكلة على القصعة” أي المائدة!.. ويرى مؤلف الرواية أننا نعيش زمن النبوءة هذه بكل ما استبطنت من إيقاعات انعكست في عجز الأقوياء وفي زعيق الذي لا يشعرون وفي تدين الذين لا يؤمنون.. وتلك سمات إنسان هذا الزمن تحت رهان القوى الزاحفة على الشرق من إنكارها لاحقية الوجود الشرعي. وفي النهاية، إذا أخذنا في الاعتبار رواية “مزرعة الحيوان” Animal Farm لجورج أودويل ...وتأتي في هذا الطريق رواية”النمر الأرقط والكلاب”... كلتاهما تتوسل بالحيوان لتكتشف الواقع “الآخر”الفانتازي” ، المفعم بالرغبة في السيطرة حيث تكمن الكبرياء من نوع :”لا توجد طريق سوى طريقنا”! وهو ما يجري الإعلان عنه في تضاعيف الرواية عبر “فيتو” الزرائب المتحدة، تسندها “جزر حزب الضباب” الحليف التقليدي إذا يعلن ممثلها في هيئة الدواب:“ أعتقد أنه لا يتوفر حل غير حلي... وقد تم اتخاذ القرار... لذا سأقرأ عليكم تقريري” وأنبعث التيرير يقرأ ودون حتى أن يرفع قبعته للتحية:“ أعترف أمام الجميع أن الحياة قد كانت دوماً تجربة مؤلمة، بل هي مخيفة !.. وأن الحق كان عبر التاريخ في يد القوة ... حق مكتسب بالقوة - وهو مشروع في السياسة الحيوانية...”(ص118).وعلى هذا تعد رواية “النمر الأرقط والكلاب” في الأدب المحلي إضافة حقيقية متميزة للرواية العربية الحديثة .. ولنجد نحن أمامنا لا نمراً من ورق ، وإنما “ نمراً متحفزاً” لا يستثمر طاقته في مزاولة العنف من أجل العنف، أي في معالجة موضوعات دامية- كالوحشية المألوفة ، ولكن بما يسمح لنا بالضحك(بالتنفس) عندما يظهر لنا الصديد التاريخي ، وحيث يقول النمر الأرقط للكلاب:“ إن العضّ واجب لكي يهب الحياةوالتخميش مقدس لكي تفوحبه رائحة الفساد ويجب أن نمزّق دمامة الحياة!»على هذا المستوى تقف رواية «النمر الأرقط والكلاب» شهادة على العصر في تجسيدها المشهد الثقافي العربي- والعالمي المأزوم ، في ساحة اختلطت فيها الأوراق وتباينت لديها الرؤى.. فنشاهد «إنسانية» الإنسان تسحق في ذروة أزمات العصر الروحية وهي تعصف بهذا العالم.
