نبض القلم
الرشوة هي مال يدفعه شخص منحرف عن الاستقامة إلى شخص آخر أكثر منه انحرافاً ، لكي يساعده آخذ الرشوة (المراشي)من دفعها في الحصول على أموال أو امتيازات أو صفقات تجارية، أو تسهيلات ضرائبية، أو إعفاءات جمركية أو الحصول على أمور لاحق له فيها، بل هي من حقوق الآخرين، كالحصول على وظيفة وهناك من هو أحق بها، أو الحصول على ترقية من غير أن يكون أهلاً لها، أو تخليصه من تبعات ومسؤوليات كان من الواجب أن ينهض بها، أو إعفائه من التزامات كان عليه واجب أدائها.. وهكذا. والرشوة أسلوب من أساليب الاحتيال على القوانين النافذة أو الأعراف السائدة لامتصاص حقوق الآخرين، وحرمان المستحقين مما هولهم من حقوق، وهي محرمة في شريعتنا الإسلامية، لأنها إذا شاعت في المجتمع أو انتشرت بين جماعة من أفراده، فإنها تقوض دعائم العدالة فيما بينهم، وبسببها ينخر الفساد اقتصادهم، وتتذمر علاقات الناس ببعضهم، وتنتشر الأحقاد والضغائن والبغضاء والكراهية في أوساطهم، ولهذا لايليق بالمؤمن أن يتعاطى معها، أو يشترك فيها، أو يرضى بها، أو يسكت عليها، لكونها محرمة شرعاً ومحظورة قانوناً ومنبوذة عرفاً، باعتبارها نوعاً من أكل أموال الناس بالباطل، وجاء في القرآن الكريم: (ولا تأكلوا أموال الناس بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) . وهو ما يعني أنه لايجوز أن يأكل الناس أموال غيرهم بالباطل عن طريق الرشوة أو الاحتيال، وما شابهها، ذلك أن الرشوة قد تعطى بطريق غير مباشر على شكل هدية يقدمها الراشي للمرتشي بواسطة شخص ثالث يسمى الرائش، وقد نهى النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن عمليات التعاطي مع الرشوة، ولو بصورة هدية، خاصة إذا قدمت الهدية لموظف عام يمارس وظيفة هامة في جهاز الدولة لها ارتباط مباشر بمصالح الناس، كان يكون وزيراً أو محافظاً أو حاكماً يقضي بين الناس، فهؤلاء محرم عليهم أن يأخذوا الهدايا من الأفراد وهم في مناصبهم، ولقد حدث أن رجلاً في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان قد كلف بجمع الزكاة من الناس في احدى الولايات، فلما عاد حاملاً أموال الزكاة لم يدفعها كاملة إلى بيت مال المسلمين، بل أخفى لنفسه بعض المال، فلما رآه النبي قد فعل ذلك، تعجب وقال: ماهذا؟ فقال الرجل هذا لكم وهذا أهدي إلي، فغضب النبي من ذلك، وقام وخطب في الناس وقال: (أما بعد، فإني استعمل الرجل منكم على العمل بما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا هدية أهديت إلي، فهلا جلس في بيت أبية وأمة حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لايأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يوم القيامة يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أوشاة تبعر، اللهم قد بلغت). ولقد أراد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك أن يمنع موظفي الدولة من قبول الهدايا لأنفسهم، لأنهم يأخذونها بقوة مناصبهم وبتأثير نفوذهم، فأخذهم لها يؤدي إلى محاباة أصحابها على حساب غيرهم، فهي بمثابة رشوة، والرشوة حرام. ولقد جاء في الجزء الثاني من كتاب النهاية في غريب الحديث للإمام ابن كثير أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال: ( لعن الله الراشي والمرتشي والرائش). فالراشي: هو الذي يقدم مالاً أو هدية لموظف عام ليعينه على باطل أو إثم، أو يمكنه من الحصول على شيء لا يستحقه. والمرتشي : هو الذي يأخذ المال في مقابل إعانته على الإثم والباطل. والرائش : هو الواسطة الذي يسعى بين الطرفين، وهو يحاول أن يستفيد من الراشي أو المرتشي أو منهما معاً. ولقد حكم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الثلاثة باللعنة، واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى، ويعرض صاحبه لنقمة الله وغضبه، وهذا دليل على أن الرشوة منهي عنها شرعاً، ولايجوز التعاطي معها، لما فيها من ظلم وهضم للحقوق، وما تؤدي إليه من اضطراب في موازين العدالة، وفساد في المجتمع.[c1]* خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
