دولة رشيدة... دولة رديئة (2)
ويفسر فوكوياما السبب الكامن في سرعة الإصلاح البريطاني وبطء الأمريكي على الرغم أنهما دخلا مرحلة التصنيع بصورة مبكرة. من تلك الأسباب أن النخبة البريطانية كانت متراصة ومسيطرة على عملية الإصلاح، كما أن المعوقات المفروضة من “ويستمنستر” كانت أقل مقارنة بما يفرضه النظام الأمريكي المحكوم بالتوازنات. كما أن المحاكم والمعارضة ساهمت في إبطاء الإصلاح الأمريكي بسبب عدم تحقيق الأغلبية اللازمة، هذه الأغلبية لم تكن ضرورية في حالة بريطانيا. ولكن “الفارق الأهم تمثل في حقيقة أن الزبائنية قد أصبحت متجذرة في أعماق السياسة الأمريكية قبل هجمة الإصلاح، ومن ثم كان استئصالها أشد صعوبة”.
السؤال المهم الذي يقف عنده فوكوياما هو لماذا أصبحت الزبائنية أقوى وأكثر انتشارا في بلدان دون غيرها؟
الزبائنية هي نظام مبادلة الأصوات والدعم السياسي بالمكاسب والفوائد الفردية بدلاً من البرامج، وهذا ميزها عن أنظمة المحسوبية النخبوية حيث التوظيف الزبائني محدود وأقل تنظيماً. تبرز الزبائنية عندما تعمل الديمقراطية قبل أن تعزز الدولة الحديثة ذاتها وتتحول “إلى مؤسسة مستقلة تتمتع بائتلاف سياسي داعم”.
بدأت بروسيا بناء دولة قوية لأسباب لا علاقة لها بالتطور الاقتصادي؛ بل بالحاجة إلى بقاء الوطن. ورغم أن بناء الدولة جرى تحت سلطة حكومات مستبدة، إلا أن ذلك أثر إيجابياً في تطور حكم القانون وحكمت البيروقراطية عبر القانون؛ في الوقت الذي لم ترض الدولة بمبدأ المحاسبة الديمقراطية، وتفضل وصاية البيروقراطية على المصلحة العامة. فاجتماع الدولة الحديثة وسيادة القانون وفر منصة لإقلاع النمو الاقتصادي أواسط القرن 19.
النمو الاقتصادي بدوره قاد لظهور طبقة عاملة انضوت تحت راية الديمقراطية الاجتماعية الألمانية. لقد عبر الطريق الألماني إلى الديمقراطية الليبرالية والحرب والثورة والقمع في أوائل القرن العشرين. أثر التطور المبكر للدولة القوية والمستقلة تأثيراً سلبياً في المحاسبة الديمقراطية، هذا دفع البلاد إلى أتون الحرب العالمية الأولى، ثم تقويض ديمقراطية فايمار. وبعدها لم تظهر ديمقراطية مؤسسية الا بعد قيام جمهورية المانيا الاتحادية.
أما الولايات المتحدة فقد “ورثت من بريطانيا حكم قانون قوياً بصيغة القانون العام، وهو مؤسسة انتشرت في شتى المستوطنات قبل مقدم الديمقراطية بوقت طويل”، حكم القانون هذا ورثته مدينة عدن كما ورثته هونغ كونغ، وليس من الصعب علينا استذكار كيف تم التعامل مع تلك التشريعات في المناطق الثلاث. وضع حكم القانون، مع حمايته القوية لحقوق الملكية، القاعدة الأساسية للتطور الاقتصادي السريع في القرن التاسع عشر. لكن ذلك تعثر بعد تبني حق التصويت الشامل للبيض وأثر بصورة سلبية في بناء الدولة الأميركية عبر نشر الزبائنية.
كان التحديث الاقتصادي في بريطانيا وأمريكا دافعا ملموسا للتحشيد الاجتماعي الأمر الذي وفر شروط استئصال الزبائنية والمحسوبية بفضل نشاط الطبقات الوسطى الجديدة. وذهب بعض الباحثين إلى الاعتقاد أن التحديث الاقتصادي والطبقة الوسطى هما العامل الحاسم لبناء الدولة الحديثة. لكن ذلك يكذبه الوضع الذي تولد في “اليونان وإيطاليا الجنوبية”، حيث توفرت الدولتان على مجتمع غني وحديث، ولكن استمرت ممارسة الزبائنية. إذن، لا توجد “آلية تلقائية تنتج حكومة نزيهة ونظيفة وحديثة”.
ويخلص فوكوياما إلى أن التصنيع خلق هناك “فئات مهنية وعلاقات اجتماعية جديدة؛ أما في اليونان وجنوب إيطاليا فقد انتقل سكان الريف إلى المدن، حاملين معهم عاداتهم وأساليب حياتهم القروية”. ذلك انه في الاقتصاد الرأسمالي تؤدي السياسات العامة مثل معدلات الضرائب المنخفضة وتنوع أشكال التنظيم واتساق معايير التجارة الداخلية والخارجية إلى تعزيز المصلحة الفردية. بينما، يؤدي ترييف المدن إلى الحفاظ على المجتمع المحلي في القرية الصغيرة سليما، تصبح المحافظة على الأشكال الزبائنية من التنظيم الاجتماعي أكثر سهولة. لأن “المكافآت الفردية الكامنة في جوهر الزبائنية أكثر أهمية من السياسات”.
ويقر فوكوياما بعدم وجود ضمان كل الطبقة الوسطى للإصلاح المناهض للزبائنية، لكن قد توجد عوامل ثقافية تفسر اختلاف النتائج بين المانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، من جهة، واليونان وإيطاليا من جهة أخرى.
إن بناء دولة حديثة يتطلب حسب فوكوياما توفر نمط سلوكي مختلف “يضع الولاء للدولة فوق الولاء للعائلة والقبيلة والمنطقة، وذلك لن يتأتى بدون مدى واسع من الثقة ورأس المال الاجتماعي”. هذا السلوك لا يمكن خلقه بدون محفزات. وهذه المحفزات لن توجدها الزبائنية المكرسة تاريخيا. لكن ما سيكون تقييم فوكوياما للتحديث الاقتصادي لو علم بنظام الشراكة مقابل الحماية الموحِّد لطوائف الصراع؟؟؟
