حين تكون المعركة مع المسافات الفاصلة بين الوعي الذاتي والحضارة


- النزعة العدوانية في ممارسة العمل السياسي ليست غريبة عن تركيبة البناء العقائدي الذي تكوّن في وعي من يحكم
- عندما يصبح اغتيال المجتمع المدني فرضية مقدسة ومن واجبات القوى الظلامية
- حاولت كتابات هذا المفكر مواجهة الواقع فكان الرد عليه عبر عنف السلطة
- البحث عن إنسانية الوطن تحت خرائب القبح السياسي

14 أكتوبر/ خاص:
نجمي عبدالمجيد :
في تاريخ الشعوب والحضارات عقليات تأتي منزلتها في لحظات من الصراعات والبحث عن نوعية الهوية التي تمسك في قبضة المجتمع.
هنا يصبح دورها في محل الرفض لما هو متساكن مع شيء اسمه الأمر الواقع.
فهي ترى في المجتمع حلقات تواصل مع الحضارة بل في نقد كل سلبيات الأمة وتشريح ما بطن في جوفها من علل وأمراض ليس من الممكن قهرها إلا عبر الوعي الحضاري الذي على الأمة الأخذ به كقوى دافعة نحو الرقي، وتجاوزها عبر هدم ما فرض عليها بل وتحول إلى مقدس لا يجب ان يمس.
وحين نقرأ ما سطره قلم هذا المفكر في حالة المجتمع اليمني نجد انه قد طرح من التساؤلات ما يمكن ان نقول عنها انها تساؤلات أزمة الواقع مع الوعي الحضاري في اليمن.
وبقدر ما كشف لنا مكامن الوجع فقد عاد وهو يحمل لنا رؤية عن واقع يطرد الوعي بل يحاربه إلى حد الابادة ولا يقبل إلا ما هو سائد، وقد تشكل في حالة قدسية الذات المغلقة على نفسها وفي حصار لا ترى في ما هو قادم إلا هدفاً يريد القضاء عليها.
ومن هنا كان لابد لفكر أبوبكر السقاف ان يدخل مرحلة الطرد والرفض وربما الاغتيال.
ومن هنا تأتي مسألة إعادة قراءة ما طرح علينا. واقعة تكشف لنا كم هي المسافة الفاصلة بين الوعي الذاتي المغلق والحضارة.
وهل اليمن لديها القدرة على كسر هذا الانغلاق التاريخي ام هو السد الواقي غير القابل للهدم؟!
كيف تتكون علاقة الوعي الحضاري مع الواقع المغلق وكيف تصبح عملية نقد الأزمة قوة مواجهة مع ما تراكم من إرث وما دور الثقافة في قراءة هذا المشهد؟!
نقف هنا عند بعض الاطروحات التي حددت مسار الفكر الثقافي والحضاري عند الدكتور أبوبكر السقاف وفي هذا نرى ما يلي: (فالسياسة مذ كانت مدنية بامتياز ومن هنا عقلانيتها وقوة المدنية والتمدين وبقية فسماتها الانسانية).
(ان الاقلية المغلقة التي لا تحاور إلا نفسها تفرط مع مرور الأيام في التمركز في ذاتها لان الذهنية القبيلية حصرية بامتياز في جميع الثقافات).
(الجمع بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الجيش هو اساس البلاء وحجر الزوايا كلها في النظام العسكري).
هذه رؤية ليست لواقع اليمن بل فيها من واقع الدولة في الشرق الكثير. ان المدنية والنظام العسكري حالات من الافتراق إلى حد الرفض المطلق.
وحين تسعى الدولة العسكرية إلى لبس هوية المدنية فهي تنكسر في أول لحظة مواجهة مدنية مع المجتمع بل تعود إلى دائرة توحشها ونفي كل ما كانت تطلقه من شعارات كاذبة لتعود إلى مركزية العنف لتؤكد ان الدولة هي القوى التسلطية، وكي تستمر في هذا المكان لابد من استمرار الجانب القهري في الحفاظ على سيادتها.
هنا تصبح مسألة العنف للدولة العسكرية مع توحدها مع القبيلة أو المذهبية و الطائفية، حركة دائرة في ذاتية معزولة عن امكانية الخروج من هذا الحصار الجامع ما بين تراكم في عمق النفسية للفرد في المجتمع والاعتقاد الراسخ بان هذا ما فرض على الواقع.
في اليمن لا يعاد انتاج التاريخ إلا في نفس دوائر الماضي. بمعنى ان كل مسارات التغيير قد سدت منذ قرون طويلة إلا إلى الممر الواحد الذي يذهب بك نحو ما هو مطلوب ان تذهب إليه.
لذلك كل محاولة لكسر هذا الحاجز ما بين فرض الماضي على حركة التاريخ، تضرب من آلية الاستحواذ على السلطة؛ لانها لا ترى لبقائها في الاستمرارية غير الدخول مع الجديد في صدام رافض له. بل الحماية من قبل واقع المواجهة بل الحماية باسم المقدس بكل تفرعاته وكل ما يخلق حصانة وحماية هذا الإرث.
وفي هذا يرى أبوبكر السقاف ان الحروب التي انطلقت من كيان دولة العسكر ضد الأمة عجزت عن صناعة دولة مؤسسات المجتمع المدني؛ لانها خرجت من عقليات لا ترى في قهر السلطة إلا حفاظاً على كيانها المتخلف.
كما يرى أن متاهات الاغتراب ما هي إلا ترسبات بسطت نفوذها على الأنفس والعقول وسجنتها في ذلك القعر العميق، والذي جعلت منها الحماية الخالدة لها بل القوة الدافعة لها.
هذا يدل على عجز عقلية هذا المجتمع في تغيير ذاته، بل هو عند محاولة إعادة صياغة المفاهيم يصاب برهاب الخوف من التحول فيسرع للهروب نحو انفاقه المظلمة كي يحافظ على مكونات وجوده.
ومما يطرحه علينا هذا المفكر قضية مازال لها خطرها على مختلف أشكال السلطة ونوعية الحكم، وهي دمج المقدس في اشكالية الحرب وفي هذا يقول: (وبعيداً عن الغوص في تاريخ الجنوب العربي الدامي والمعقد، الذي يعني تاريخياً كل اصقاع وأركان هذا الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية في مقابل الشمال العربي، أذكركم بأن أحد أئمة الدولة القاسمية جعل جنوب الشمال والجنوب الذي تنتمون إليه أرضاً خراجية مفتوحة ، وهذا يعني انهم ليسوا مسلمين وإلا لكانت أرضهم عشورية مثل سار بلاد المسلمين).
جذر الأزمة في هذا الطرح العقائدي الذي مازال له مخالب وانياب تأكل وتمزق في هذا الجسد.
ان التفريق في صفوف أمة الاسلام مذهبياً أو طائفياً وغيرها من صناعات التشرذم ما هو إلا حرب على وحدة الاسلام.
فكيف لرجل دين يقال عنه من دعاة الاسلام اطلاق مثل هذه التصورات، وهي ليست من الاسلام في شيء، ارضاً خراجية مستباحة من قبل قبائل تنطلق في عدوانها على جماعات مسلمة باسم صحيح المذهب، وتمارس ضدها كل أنواع الجرائم باسم الحق المقدس.
تلك علة في الوعي الديني والمذهبي مازالت اليمن تعاني منها، وربما لن تنحل منها حتى بعد قرون من الدهر كما هي مترسبة في وجدان كل من يتبع هذا التكوين من المفاهيم الدينية. وفي هذا كأننا أمام جغرافيا دينية تقسم المجتمع اليمني إلى سادة وعبيد طائفياً، ان الجنوب الشافعي ومناطق اخرى في اليمن ما هو إلا أرض نهب واغتصاب وحروب وأخذ حق الغير؛ لان هناك فتاوى جاءت من خارج المقدس الإلهي لتستحوذ على عقليات لن تعرف من الدين غير المذهب، وهو ما فصل حسب مصلحة السلالة الحاكمة بهذا الحق المنحرف عن أصول الدين الإسلامي. وكما يرى الدكتور أبوبكر السقاف، حتى التاريخ اصبح ملحقاً بدولة السلطة القبيلية التي تكتبه بأثر رجعي. وهنا ندخل في قضايا مصادرة الحقائق وتزييف الوعي، حيث يصبح المذهب هو التاريخ مع ان المذهب من إفرازات تراكم الصراعات السياسية عبر حقب من الأزمنة.
ومما يربط عقليات العامة من الناس به إلى حد العبادة والخوف من الخروج عن هذه الطاعة التي ربطت هذه الفئة بمصير يسخرها لكي يظل هو الفاعل المطلق في السلطة. لذلك اعطى لها حق أخذ حق كل من يكون غريباً ومنبوذاً في نظرها لانه ليس من ذات الطائفة وكأن في هذا الفعل تنفيساً عن حالات الضغط التي تمارس ضد وداخل جماعة الطاعة المذهبية ليجدوا متنفساً لهم في نهب حق الغير. ومن هنا تظل الرغبة العدوانية والمكتسبة آلية بقائها في هذا النوع من المجتمع.
من النقاط الهامة والخطيرة التي حذر منها هذا المفكر قبل سنوات عديدة «صوملة اليمن».
كانت الصومال في نظر العديد من رجال العمل والفكر السياسي نموذجاً للبلد الذي انهار فيه كل مقومات الدولة ودخلت في حقب طويلة من حروب القبائل واصبح نقل صور المجاعات والمجازر في المدن والقرى وكل أنواع جرائم الحروب الأهلية، وربما كانت بعض وقائع جامعة بين اليمن والصومال في اطار المجتمع الرعوي وحكم القبائل فكان لابد للذهاب نحو هذا الطريق من التناحرات التي قادت في النهاية إلى تقسيم البلاد.
في هذا الأمر يطرح هذه الرؤية قائلاً: (انها صورة تعتمد على المعروف عن الصومال منذ انهياره إلى اليوم، وليست البتة تصوراً بني على المقارنة الواقعة بين مكونات الصومال ومكونات اليمن في ظل الوحدة. القصور العقلي غائب والصورة حاضرة وهي دائماً وسيلة الفن والاسطورة لبناء الصورة الفنية أو الاسطورة السياسية، وحظ الاثنين دائماً من المعرفة والتماسك المنطقي ضئيل إلا بالقدر الذي تسمح به اللغة باعتبارها في المقام الأول بنية منطقة تقدم حتى الهلوسة في بنية دالة، ولكن حظها من الخيال والعاطفة وافر وغزير.
صورة الصوملة في ظروف اليمن تنتمي إلى هذا الاطار، لا إلى الممكن وفقاً لشروط الواقع القائم في هذه الأيام.
ان الامكان وهو دائماً محكوم بالواقع قبل ان يصبح واقعاً يقول انه يمكن ان يقوم في المدى الجغرافي القائم صورياً في ج ـ ي كيانان أحدهما جنوبي والآخر شمالي فقط، وهذه ليست صوملة بل نتاج طبيعي للوحدة الفورية الاندماجية التي قامت حرب العام 1994م لوأدها، ولذا استعجل وزير خارجية النظام الغاءها قبل نهاية الحرب. جاء مشروع بناء دولة الوحدة بعدها، ولا مفارقة في منطق السياسة الارتجالية اليمنية، وهي ملمح راسخ في الذهنيات والكيانات التي لا تحكم بواسطة المؤسسات فيقرر رأي فرد أو قلة مصير البلاد دون العودة إلى المواطنين فكان حصاد الحكمة البدوية ان جاءت حرب الوحدة بعدها ، وهنا لا مفارقة ايضاً لأن الأساس هو الوحدة بالغلبة حيث يحكم العقل المستقيل، لا العقلانية السياسية، والغلبة عقيدة سياسية عربية مضمرة في تجارب الوحدة كافة).
ان الخرائط السياسية لا ترسم هنا حسب مقارنة الأحداث فقط بل في تمهيد الواقع اليمني لمثل هذا الانجراف نحو مفارقات كان نظام صنعاء لا يقبل بها في لحظات الغرور السلطوي.
لم تكن الصومال إلا الجغرافيا الأولى التي طرحت لحال اليمن، وهي البلد الذي عانى من سلطة العائلة والقبيلة والتجاذبات في الأحزاب والمشاريع الفاقدة لدور الوعي في قيام دولة بعيداً عن الأهواء، بل التلاعب على جماعات جمعت بين التطرف والارهاب وفوضى السلاح والقتل في كل اتجاه، حتى اصبح العالم يرى هياكل عظمية للبشر في مدنية وقرى الصومال.
انه الموت المفتوح الذي لا يترك لأي طرف رهانات على حالة انتصار دائم.
لقد تحول الصومال إلى رؤية تقارب ما ذهب إليه اليمن ومازال يدور في نفس دائرة الصوملة ولكن بمواصفات داخلية، توسعت فيها حلقة غياب دولة المؤسسات لتحل سطوة النزعة الذاتية، وهو ما قال عنه العلامة ابن خلدون: (مرحلة تعفن الدولة وزوال العمران).
ان تغيب الوعي في قضايا مثل هذه لا يعطي غير مخدر لمن يحكم، فيظن انه في موقع البقاء الدائم ولكن كل المعالم المحيطة به تؤكد ان المرض لا يذهب به إلا نحو طريق الفناء، وهذا ما اسقط حضارات ودولاً كانت صاحبة السلطة القهرية.
وفي استشهاد لقول أحد القادة العرب يقدم لنا أبوبكر السقاف هذه النظرة في اشكالية العلاقة بين نوعية الدولة وسلطة القبيلة فيختار للراحل الحبيب بو رقيبة هذه العبارات: (كان علينا ان نتخلص من الحياة القبلية التي كانت تعبث بالبلاد والتي باذكائها روح العشيرة تتنافى مع بنيان حضارة حقيقية، إذ لا حضارة إلا للشعوب الحضرية).
لقد أدرك الدكتور أبوبكر السقاف ان مسألة اسقاط القبيلة في اليمن من حسابات الدولة والعسكرة والاستحواذ على الثروة وسطوة السيطرة المذهبية في رسم ملامح التعامل مع الآخر.. من المستحيل تجاوزها وهنا يبدأ الطرح في اشكالية الوعي للعقل اليمني.
هل الأزمة في التاريخ، او الانسان، أو حكم ما اصبح الهوية والملاذ أو في واقع لا يقبل بالدخيل أو في تجمد مسار الادراك عند نقاط محددة تحولت إلى مقدسات لا يمكن الخروج عليها؟!
وهنا يطرح سؤال المواجهة مع اعادة صناعة الهوية: هل مجتمعات مثل هذه قد أدركها الشلل النفسي حتى تظل أمة تحت مستوى التاريخ؟!
وهل مال مصير العديد من الدول العربية نحو هذا الوضع من السقوط؟
انها تساؤلات ليس لها من اجابات أو حلول في الحاضر بعد ما ضرب الخراب العديد من الدول العربية والاسلامية.
ومن منطلق كل هذا تظل كتابات هذا المفكر خالدة في الواقع اليمني وجزءاً من صراع الارث والحضارة.
المرجع:
الدكتور أبوبكر السقاف
دفاعاً عن الحرية والانسان
اعداد: منصور هائل
منتدى الجاوي الثقافي ـ صنعاء 2011م
