لقد شاع استخدام مصطلح “الشراكة” منذ منتصف القرن التاسع عشر. في البداية، استُخدم مصطلحا “الشريك” و”الشراكة” للإشارة إلى العلاقات الاقتصادية بمعنى الشريك التجاري أو شريك العمل. أما الآن فتفهم الشراكة على أنها أحد الأشكال العالمية للتفاعل الاجتماعي. ترى عالمة النفس الروسية إي كورتويفا أنه “من خصائص الشراكة أن الأنشطة المشتركة للفاعلين زمانا ومكانا، تحقيق نتيجة مشتركة؛ وتطوير علاقات مستقرة بين الأطراف”.
ويرى آخرون خصائص الشراكة تكمن في الطبيعة طويلة الأمد للتفاعل، والأساس ذي المنفعة المتبادلة لهذا التفاعل، ووجود تفاعل مستمر، وليس ظرفيًا، ووجود نظام اتفاقيات محدد.
بناءً على التعريفات، يُمكن بناء فهم هذه الشراكة بأنها “استراتيجية”. ولكن ما معنى استراتيجي؟؟ هنا نجد أنفسنا أمام انعدام منهجية واحدة لفهم ذلك. يرى بعض علماء السياسة أن مصطلح استراتيجي تمت استعارته من المجال العسكري، و”كانت تعني، قبل كل شيء، القيادة الماهرة للقوات لفترة طويلة من الزمن، أي التخطيط طويل الأجل للعمليات العسكرية. ومع مرور الوقت، انتقل مصطلح “استراتيجية” من المجال العسكري إلى السياسة، لأن تحقيق النجاح في السياسة، يتطلب أيضاً تخطيطاً طويل الأجل”.
ووفقا لذلك، فإن الاستراتيجية تفترض حتمًا منظورًا طويل الأمد. ولأن الشراكة هي “علاقات بين أفراد أو جماعات تتسم بالتعاون المتبادل والمسؤولية المشتركة لتحقيق هدف ما”، فيُستنتج أن الشراكة الاستراتيجية، عند تطبيقها على العلاقات الدولية، ليست سوى تعاون طويل الأمد على المستوى الدولي في عدد كبير من القضايا بهدف تحقيق أقصى قدر من الفوائد لكلا الطرفين.
وهناك مقاربات أخرى لفهم الشراكة الاستراتيجية في العلاقات الدولية. فعلى سبيل المثال، بعض علماء السياسة يرون أن جوهر الشراكة الاستراتيجية في العلاقات الدولية هو وجود تفاعل بين الدول يسمح للشركاء بتحقيق أهداف داخلية وخارجية حيوية. ولهذا، فإن الشراكة الاستراتيجية في العلاقات الدولية هي تعاون طويل الأمد ومتبادل المنفعة بين كيانات متكافئة تمامًا على المستوى الدولي لحل قضايا واسعة النطاق.
توجد عدة طرق لتصنيف الشراكات الاستراتيجية في الساحة الدولية. فبحسب عدد الأطراف المشاركة، يمكن التمييز بين الشراكات الاستراتيجية الثنائية والشراكات متعددة الأطراف. أما من حيث مستوى المشاركين، فتُقسم الشراكات الاستراتيجية إلى شراكات بين الدول، وبين الدول والمنظمات الدولية، وبين المنظمات الدولية نفسها. ومن حيث مدى تحقيق أهداف الشراكة، يُفرّق بين الشراكات الاستراتيجية الايجابية، التي تُحقق فيها الأهداف المرجوة خلال التفاعل، والشراكات السلبية، التي لا تجلب الا المتاعب.
إن التصنيف الأكثر شيوعًا للشراكات الاستراتيجية يعتمد على المجال الذي يحدث فيه التفاعل. ويُميّز هذا النهج بين التعاون الاستراتيجي الدولي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية والثقافية. وحسب “سوخار أ .أ”، فإنه حتى قبل عشر سنوات كانت الشراكات الاستراتيجية بين الدول في المجالين السياسي والاقتصادي تُعتبر أساسية. لكن حاليًا، يتم إيلاء اهتمام أكبر لقضايا الشراكة الاستراتيجية في العلاقات الاجتماعية والمجال الروحي والثقافي.
توجد عدة طرق لتصنيف الشراكات الاستراتيجية في الساحة الدولية. وتشير الشراكة الاستراتيجية بين الدول في المجال الاجتماعي إلى نظام من العلاقات الاستراتيجية بين الجهات الفاعلة تشارك في النشاط الدولي. ويُقصد بالجهات الفاعلة في النشاط الدولي أي مجموعة من الأفراد أو المنظمات أو الدول التي تتفاعل فيما بينها لمواجهة التحديات الاجتماعية المشتركة.
إذن، تبنى الشراكة على مبادئ معينة لا ينبغي التفريط بها: الندية وتكافؤ المنافع المرجوة منها. بمعنى أن الشراكة الاستراتيجية تتطلب استقرارا حقيقيا لمشروعها واستقرارا سياسيا للمتشاركين يساهم في نجاح الشراكة.
أي أنه لا يمكن الحديث عن شراكة بين أطراف لا يتمتع أحدهما أو كلاهما بالاستقرار الأمني والسياسي. كما لا يمكن الوثوق بشراكة تبنى على الضغوط أو استغلال حالة الضعف والاحتراب والاحتياج. وبما أن الشراكة الاستراتيجية تقتضي الندية - كما قلنا - فإن تشرذم مركز صنع القرار يجعله غير صالح لبناء شراكات استراتيجية نافعة، بل يجعله بسبب من تضارب المصالح وسيلة للتفريط بالسيادة او المصلحة.
