نحن نتفهم القلق الكويتي جيدا، وربما تكون الكويت هي الدولة الوحيدة التي نتألم لها ونحس بها بكل مشاعرنا الممزوجة بالامتنان والعرفان. لكن الوضع في الحالة هذه ليس له علاقة بمشاعر التضامن أو حتى الضجيج المفتعل بموازاة ما يدور في بلادنا والمنطقة عموما. إنه يرتبط بفعل سياسي عربي خرج عن السياق منذ أمد بعيد (يمكن توضيح ذلك السياق في تناولة لاحقة).
لكن ما يهمنا اليوم هو التأكيد أولا على عدالة المطلب وعمق الخيبة التي نعيشها جميعا، وثانيا التشديد أنه ليس فقط الجامعة العربية التي تحتاج إلى مراجعة فعاليتها، بل وكل الكيانات العربية المشابهة، وهي ليست السبب الحقيقي فيما صرنا إليه.
يحتاج مجلس التعاون لدول الخليج - الذي تنتمي إليه الكويت - مراجعة لفعاليته كهيئة جامعة لدول الخليج العربي، وكدول منفردة بسياستها الإقليمية الدولية وحتى البينية. لقد ظهر هذا المجلس كبنية هشة سياسيا وعسكريا واقتصاديا دفعة واحدة على الرغم من أن دوله ظلت لعقود تروج له صورة وردية.
أزمتان عصفتا بالمجلس وبينتا عواره ووقفت دوله عاجزة عن الحركة وكأنها أصيبت بالشلل التام. كانت الأزمة الأولى مطلع يونيو 2017، عندما قاطعت الإمارات والسعودية والبحرين دولة قطر، وفرضت عليها حصارا خانقا بزعم دعم الأخيرة للإرهاب، وأسباب أخرى كثيرة، وانضمت بعض الدول إلى تلك المقاطعة. ولقد رأينا حجم الخسائر الاقتصادية التي نجمت عن تلك الأزمة، والتصدع السياسي الذي أصاب المجلس.
أما الأزمة التالية هي التي تعيشها العلاقات الإماراتية السعودية الآن، وتناغم دولة قطر مع السعودية في هذه المسألة. وهذه المرة يختلف السبب. يكاد يجمع المراقبون، وحتى بعض الهيئات الدولية، أن هذه الأزمة ناجمة ليس عن تصادم أجندات البلدين فيما يخص النفوذ في اليمن فحسب، ولكنْ هناك أسباب حدودية وأسباب كامنة في تنافسية الدولتين وطموحهما. ولكن قبل ذلك أخفقت دول المجلس في إنشاء اقتصاد تكاملي وعوضا عنه اتجهت نحو التنافس غير المنضبط. واختلف الأعضاء على مضمون وقيادة ومكان العملة الموحدة والاتحاد الجمركي، إلى جانب بناء قوات دفاع مشتركة فعالة.
والاتحاد المغاربي ليس بأحسن حال. كان يتوقع من الاتحاد أن يشكل رافعة قوية لتوحيد جهود دول المغرب العربي لمواجهة التحديات المتكررة في المنطقة ويسهم في دعم موقف دول المشرق. لكن الذي حصل أن المشكلات تفاقمت بين دول المغرب في قضايا مختلفة كثيرة، أهمها قضية الصحراء والمشكلات الحدودية بين تلك الدول، إلى جانب مشكلات الأمن والإرهاب والتهريب والمشكلات الداخلية الأكثر تعقيدا، وإذا بإسرائيل في قلب المنطقة.
أما الجامعة العربية، فحدث ولا حرج. فلم تضطلع الجامعة يوما بحل أي قضية عربية ثنائية أو جماعية، بل شكلت منصة لخلق المبررات الكافية للتدخل الخارجي فيها (غزو العراق للكويت، حرب تحرير الكويت، تدمير ليبيا وسوريا). هذه القضايا كان يمكن للجامعة العربية أن تحلها بأقل الخسائر لو توفرت إرادة سياسية حقة لدى الأنظمة العربية وأعطت تفويضا كاملا للجامعة. لكن الأنظمة العربية بسبب من تناقضاتها واختلاف أولوياتها وتحالفاتها والتزاماتها الخارجية، كانت دائما ما تلجأ إلى إجراء تعديلات على أنظمة ووثائق الجامعة حتى تم إفراغها من هدفها الأساسي. يمكن الحديث عن حالات كثيرة تكتلت فيها بعض الدول العربية ضد بعضها بتصويت من الجامعة.
باختصار، جميع البنى العربية، السياسية وغير السياسية، هي انعكاس لطبيعة الأنظمة العربية التي لم تستطع تبني سياسة متجانسة. علاقات الدول العربية البينية تتسم بالريبة والشك، بل والعدوانية حيال بعضها البعض. وبالتالي لا يمكن تصور هيئات عربية مختلفة في مضمونها عن الأنظمة التي أنشأتها.
إنه من الضروري بمكان أن يتم البدء بمقاربة جديدة لطبيعة العلاقات العربية – العربية، ومراجعتها بصورة جدية، وبيان نقاط الاتفاق عمليا بدون مواربة والبناء عليها، وتجميد مواطن الاختلاف والعمل على حلها خطوة خطوة، وإلا فليس هناك من جدوى لمراجعة النتائج وترك المقدمات على حالها.
