منذ إرهاصات الوعي الوطني الأولى، مرورًا بسنوات الكفاح المسلح ضد الاستعمار، كانت المرأة الجنوبية جزءًا أصيلً من الفعل لا من المشهد الخلفي. لم تكن مجرد شاهدة على التحولات، بل مشاركة في صنعها، تسهم في التنظيم، وتساند الفعل الثوري، وتتحمل تبعاته الاجتماعية والإنسانية.
وفي تلك المرحلة، برزت تجارب نسوية عديدة جسّدت الوعي المبكر بدور المرأة في معركة التحرر، ودفعت كثيرات أثمانًا باهظة من حريتهن الشخصية واستقرارهن الأسري، ليصبحن جزءًا أصياً من الذاكرة
الوطنية الجنوبية، لا بوصفهن حالات فردية، بل باعتبارهن جيلاً كاملاً آمن بأن الحرية لا تتجزأ.
وقد تعمّدنا هنا تجنّب ذكر الأسماء، لا تقليلً من شأن الرموز النسوية الجنوبية، ولا إنكارًا لتضحياتهن، بل من باب الإنصاف والعدل؛ فنساء الجنوب المناضلات كُثُ، وتجاربهن متداخلة ومتقاربة في القيمة والدور، ولا يتسع المجال لذكرهن جميعًا دون أن نغن أخريات. لذلك اخترنا أن يكون الاحتفاء بالتجربة الجمعية، باعتبارها التعبير الأصدق عن عطاء المرأة الجنوبية عبر المراحل المختلفة.
ومع فجر الاستقلال في 30 نوفمبر 1967 ، دخل الجنوب مرحلة بناء الدولة، فكان تمكين المرأة جزءًا من مشروع تحديثي رأى في تعليمها وتأهيلها مدخاً لتحرير المجتمع بأسره. فُتحت المدارس والجامعات أمام الفتيات، وبرزت كوادر نسوية في مجالات التعليم والصحة والإدارة والعمل العام، في تجربة سبقت محيطها الإقليمي، وأكدت أن نهضة الأوطان لا تكتمل بنصف طاقتها.
وفي المراحل اللاحقة، ومع تعقيدات التحولات السياسية، عادت المرأة الجنوبية إلى الواجهة، ولكن بأدوات جديدة. شاركت في الفعل السلمي، وأسهمت في تشكيل وعي مجتمعي رافض للتهميش، وحاضرة في ساحات التعبير والإعلام والعمل الحقوقي. دخلت ميدان الصحافة، والإذاعة، والتلفزيون، ومنصات التواصل، حاملةً الكلمة بوصفها مسؤولية، لا مجرد مهنة. وثّقت الألم، ونقلت صوت الناس، وتحملت ضغوطًا وتحديات لا تقل قسوة عن ميادين الصراع المباشر.
وفي المجال الحقوقي والإنساني، لعبت دورًا محوريًا في الدفاع عن قضايا المرأة والطفل، ورصد الانتهاكات، وإدارة المبادرات المجتمعية في أحلك الظروف.
كانت المربية حين يختل التوازن، والناشطة حن يُطلب الصوت، والقيادية حين تفرض اللحظة قرارًا شجاعًا.
المرأة الجنوبية لم تكن يومًا حالة موسمية ترتبط بحدث أو شعار، بل مسارًا ممتدًا من العطاء المتجدد. هي شريكة في النضال، وفي البناء، وفي حماية النسيج الاجتماعي من التمزق. لذلك، فإن الاحتفاء بها
لا ينبغي أن يكون خطابًا إنشائيًا عابرًا، بل التزامًا عمليًا بتمكينها وإشراكها في صناعة القرار، اعترافًا بدورها الذي لم ينقطع، وبحقها الطبيعي في مستقبل تصنعه بقدر ما صنعت ماضيه.
هكذا تبقى المرأة الجنوبية عنوانًا من عناوين الكرامة، وسطرًا ثابتًا في كتاب الوطن، لا يُختزل في اسمٍ واحد، ولا يُمحى من ذاكرة التاريخ.
