تولد اعتقاد عند البعض أنهم إنما خلقوا للقيادة وأنه لا تقوم للبلاد قائمة إلا بقيادتهم. لا نعجب أبدا حين نرى جماهيرهم ترتص كالبنيان العشوائي الذي يعيق انسياب الحركة. إنه نوع خاص من أنواع الاصطفاء الذي لا يختلف، من حيث الجوهر، عن الاصطفاء الإلهي الذي تخلّق في أوروبا وفتك بها في نهاية المطاف، وهو نفسه الذي انتقلت عدواه إلى الآفاق.
عندما نحاول تحليل حروبنا، وكثيرا ما نحللها. نحن مدمنو تحليل. لكننا ونحن نفعل ذلك لا نقوم به بحيادية ولو نسبية، لكننا باستمرار نظل مستغرقين بانتمائنا لقرانا ومشايخنا وعصبياتنا. ننسى بسهولة أننا ننتمي للمدينة أو المدنية، على الرغم من ادعائنا ذلك ليل نهار. أحدهم يلحق اسمه باسم المدينة التي ولد أو نشأ فيها، ولكنه حتى لو كان في الأمر صحة من نوع ما إلا أنه بمجرد أن يدعو داعي القبيلة أو المنطقة أو الطائفة تراه قد لبى النداء حتى ضد المدينة والمدنية تلك.
الأمر أسهل من (دُغمة مي). تستطيعون أن تحصوا الحروب التي أنتجناها على مدار ستين عاما. والمهم ونحن نحلل تلك الحروب، كما أسلفنا القول، نورد كل المبررات و(نمنطقها) كلّ حسب زاويته المعتادة. لا نسلك المنهج العلمي مطلقا. نحمّل العوامل الخارجية كل أوزار ما نحن فيه. ذلك أسهل للجميع، لا ضرر فيه ولا ضرار. على أننا لا نحاول تفسير الانتظام الدوري لحروبنا. صحيح هناك عوامل خارجية تدفع نحو الاحتراب (ولاء، مال، سلاح أو أي شيء)، لا يهم. لكننا أبدا لم نحاول تفسير لماذا لدينا دائما الاستعداد النفسي للحرب أكثر من الحوار، البحث عن نقاط الاختلاف وإهمال ما يمكن أن نلتقي حوله؟ لماذا مثلا يترك المعلم مدرسته وتلاميذه، والأكاديمي جامعته، والقاضي كرسي القضاء ليلبي نداء الحرب؟؟؟
أما الحقيقة الثانية، فهي حروب أمريكا التي لا تنتهي. فخلال الفترة نفسها وحتى اليوم لم تتخلف الولايات المتحدة عن شن الحروب هنا وهناك، وفي كل القارات تقريبا. نالت آسيا النصيب الأكبر. فمن حرب فيتنام 1965 - 1975، والتدخل في جرينادا في 1983، وبنما في 1989، والصومال 1992 - 1995، انطلقت إلى الحرب ضد العراق 1991، ثم انخراطها في الحرب في البوسنة 1995، وبعدها الدخول في الحرب ضد يوغسلافيا في 1999، أخذت استراحة لمدة عام ثم قامت باحتلال أفغانستان 2001 - 2021. وبعدها وفي ظل انغماسها في المستنقع الأفغاني أقدمت على احتلال العراق 2003 على أمل الانسحاب عام 2011. وشنت الحرب على ليبيا في 2011، والانخراط في الحرب ضد سوريا 2015 - 2024 على جانب الجماعات التي كانت تصمها بالإرهاب ودعما لإسرائيل عملياتيا ضد الفلسطينيين خلال الفترة نفسها. أما في 2025 فقد انضمت إلى إسرائيل في الهجمات على إيران وفي هذا العام شنت الحرب المتزامنة مع إسرائيل ضد إيران بدءا من 28 فبراير 2026. نتحدث هنا بصرف النظر عن تماهي الفاشية النيوليبرالية مع الصهيونية، وعن المبررات التي تسوقها لحروبها، وعن نتائج كل تلك الحروب. يمثل الهروب من أفغانستان النتيجة الحتمية لجل حروبها.
قلت إن الحرب على إيران توقفت، هي استراحة محارب ليس أكثر. على ترامب الآن جمع المحصول وهندسة مجموعة جديدة من الخدع ليس ضد إيران وحدها. فالحرب ليست ضد إيران فقط، وربما ليست إيران بالذات هي المقصودة من الحرب بالنسبة للولايات المتحدة على الأقل. إذا وسعنا المشهد قليلا سندرك أن أمريكا لا تحارب خصومها فحسب. ولكننا لا نعلم إلى أين ستمد إيران بصرها أو يدها الجريحة بعد غفوة المفاوضات الكسيحة.
تمور الأرض من تحتنا، بينما نقف نعلق في مشكلتنا الأولى في تحليل الحرب. لدي استنتاجاتي، لكنها قطعا لا تعني لأحد شيئا. لابد أن تكون للمتضررين من قومنا استنتاجاتهم الخاصة لأنها تعني الكثير... أظنهم غارقين في توصيفات ناقصة للحرب، لسنا في عجلة من أمرنا.
