1 - في التحالفات الدولية
خلال الفترة الماضية شهدت منطقتنا إنشاء واحد من أكثر الأحلاف العسكرية فشلا. ونقصد بذلك حلف بغداد الذي نشأ عام 1955، من بريطانيا وتركيا وإيران وباكستان، وكان ثمرة مساعي أمريكا التي لم تكن مشاركتها فيه مباشرة. كان الهدف الظاهري من إقامة هذا الحلف - حسب نص المادة الأولى من اتفاقية التأسيس - هو “الدفاع عن أمن وسلامة الأطراف المتعاقدة”. ووفقا للمادة الثالثة، فإن الدول الداخلة في الحلف تعهدت بـ “الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض، وتسوية منازعاتها بالطرق السلمية”، حسب ميثاق الأمم المتحدة.
لكن الغرض الفعلي للحلف كان تطويق الاتحاد السوفيتي من خاصرته الجنوبية. استمر الحلف بعد انسحاب العراق منه بعد ثورة يوليو 1958، وتغيير اسمه إلى CENTO ولم يقدم أي فائدة عسكرية أو سياسية لأعضائه، وانتهى المطاف بالحلف إلى الحل عام 1979، مع أن كثيرا من المصالح جمعت أطرافه التي كانت علاقاتها متوترة مع دول أخرى. فلم يخدم إسرائيل في احتلالها لفلسطين إلا بالدعم الأمريكي، ولم يفد تركيا عند احتلالها لقبرص سنة 1974، ولم يعِن باكستان في صراعها مع الهند بشيء، بل لم يفِ بالغرض الذي أنشئ لأجله.
تحالفات عسكرية وأمنية طوقت العالم من كل اتجاهاته، الجديد ينشأ والقديم بعضه انتهى إلى الزوال وبعضه ما زال قائما ينتظر بروز الهدف المنشود للانقضاض عليه.
في 2016، بدأ يتبلور في شرق المتوسط حلف عسكري اقتصادي استراتيجي ثلاثي جديد يضم إسرائيل واليونان وقبرص، ويهيمن على حوض البحر الأبيض المتوسط وثرواته الضخمة من النفط والغاز. وفهمنا منذ البداية أنه حلف مناهض لتركيا دون حاجة للإعلان عن ذلك. فتركيا باتت تملك صناعة عسكرية متطورة، ولكنها ليست على وفاق مع هذه الدول نظرا للمشكلات العالقة بينها فيما يخص الحدود البحرية والثروات مع اليونان وقبرص، بالإضافة إلى احتلال تركيا لشمال قبرص، كما توترت العلاقات الإسرائيلية التركية.
وهكذا، فإن ما يجمع هذه الدول هو الرغبة الجامحة في كسر شوكة تركيا التي ظهرت شهيتها مفتوحة وأنيابها بارزة بشدة فيما يخص ثروات البحر المتوسط، بينما تشعر كل من اليونان وقبرص الصغيرتين بالغُبن بسبب تنامي القدرات التركية قياسا بقدراتهما المتواضعة، مع أن اليونان مثل تركيا عضو في حلف الناتو. إذن أين يكمن الخلل؟ في الناتو أم في صدام المصالح وانهيار منسوب الثقة بين الجيران؟؟
على أن المسألة لا تتوقف هنا، فالعلاقات التركية الإسرائيلية تشهد ظاهريا تدهورا متزايدا، مع أن مصالح الطرفين تتقاطع في سوريا وربما في أماكن أخرى، لكن يبدو أن المخاوف الإسرائيلية حيال تركيا لا ترتبط بالضرورة بسوريا، فقد سبق لتركيا مثلا الطلب من إسرائيل التنسيق معها في سوريا على غرار التنسيق الإسرائيلي مع روسيا، ولا ترتبط كذلك بما يحصل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالضجيج التركي العربي حول الحرب على غزة لم يفض إلى شيء ذي بال. هناك مخاوف إسرائيلية حقيقية من التطور الصناعي التركي، كما هي مخاوفها مما يحدث على حدودها مع “أم الدنيا”، ومن تطور صناعة التسلح الإيرانية والباكستانية.
إن انخراط تركيا بكل ثقلها في الصراع الليبي منذ البداية إلى جانب طرف معين هدد وما زال يهدد الأمن القومي المصري، إلى جانب أن تركيا تحتضن وتدعم جماعة هي أصلا في صراع طويل مع الدولة المصرية. كما أن العلاقات المصرية التركية لم تكن دائما في حالة رسوخ، حيث توترت العلاقات بين البلدين منذ ثورة يوليو، وقد طردت مصر السفير التركي “فؤاد طوغاي” عام 1954 نتيجة تصرفاته غير الدبلوماسية وهجومه المستمر على ثورة يوليو 1952 التي نعتها بـ “الانقلاب العسكري”، وتوجيهه إهانات شخصية لجمال عبد الناصر. كما زادت حدة التوتر بسبب انتقادات السفير للنظام المصري، ووصفه لمصر بأوصاف تنتهك الأعراف الدبلوماسية، بل وطلب منها دفع “الجزية” لتركيا، مما دفع لإمهاله ساعتين لمغادرة مصر. هذه الحيثيات تجعل الحديث عن تحالف مصري تركي ودول أخرى الآن ليس أكثر من بالون اختبار ظرفي.
