ترامب لا يهتم بشعارات أسلافه المسوغة للحروب. فقط في الحالة الإيرانية يظهر محبة مبالغاً فيها للشعب الإيراني لم يبدها لأي شعب آخر في الكون غير الشعب اليهودي، مع ملاحظة المرامي في الحالتين، التي لا يجب أن تغيب عن بالنا مطلقا. ترامب لا يدعي نشر الديمقراطية في العالم كما هو حال أسلافه من الجمهوريين والديمقراطيين. هذا شعار بالنسبة له غير مفيد مادام وهو تعبير مجازي عن الأهم (النفط). النفط جوهر الديمقراطية الغربية ولبها، إلا أن ترامب قد أضاف عناصر ديمقراطية أخرى هي أكثر أهمية للمستقبل، إنها (المعادن النادرة).
في حالة فنزويلا لم ينمق ترامب الكلام رغم تذرعه بالمخدرات التي تشكل جزءا أصيلا من آليات الـ(CIA). بعدها عاد سريعا للغة سمسار العقارات، نريد النفط الفنزويلي و”قضي الأمر”، أُخذ مادورو كما أخذ نوريغا قبله.
تململت أوروبا قليلا ولكنها لم تقل شيئا عن تصرف ترامب مع فنزويلا. برزت مفارقة مدهشة في مفاهيم السيادة عند هذا الغرب الليبرالي (الذي يصنع ليبرالية لا تشبه إلا نفسها ولا تعترف بغيرها) - تقف أوربا موقفا متناقضا في لحظة واحدة من قضيتين متشابهتين بالمقياس الأوروبي. موقف الحليف لأوكرانيا في الحرب مع روسيا، - باعتبار أن روسيا دولة معتدية على دولة ذات سيادة - ومن أجل هذا الموقف المبدئي استنزفت قسطا كبيرا من مواردها في دعم أوكرانيا حتى انعكس عوارها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا كلها، وموقف غير مبال وربما متواطئ مع غزو فنزويلا واختطاف رئيسها والاستيلاء على موارد الطاقة فيها وتسخيرها لصالح الشركات الأمريكية حصرا. ربما اغتاظت أوروبا لشركاتها التي لم تنل من غزوة ترامب شيئا بالمقارنة مع ما تحصل عليه الشركات الأمريكية من الغزوات الأوروبية.
لا يمكن للولايات المتحدة الحديث عن الديمقراطية ونشرها في إيران إذا ما قررت توجيه ضربة جديدة لها بعد أن شاركت إسرائيل في الضربة الأولى في يونيو2025، لماذا؟ لأن الولايات المتحدة هي نفسها التي أسقطت الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في أغسطس 1953، بعملية عرفت بـ (أجاكس)، السبب أن رئيس الحكومة محمد مصدق قرر تحويل النفط الإيراني إلى سيطرة حكومته بدلا من البريطانيين. إذن، يستلزم وجود شعار آخر وهو جاهز بالفعل وليس شعارا واحدا -حماية الشعب - الإيراني... في إيران الشعب هو المرادف للنفط والغاز.
مادورو: فنزويلا ديكتاتور + المخدرات هي معادلة النفط وفقا لمعيارية الصفقات. لكن الصراحة فيها راحة نريد النفط يقول ترامب الذي لا تعنيه الديمقراطية، وحتى كوبا سيعزز الحصار حتى تعود مستعمرة أمريكية كما في مطلع القرن العشرين 1898، 1902 و1906 - 1909.
في دافوس 2026، تغير الخطاب. على أوروبا أن تحمي نفسها. أين ذهب الناتو إذن؟ أليس هو المعني بحماية العجوز المريضة؟ ليس بعد الآن، قال ترامب.
يتجدد الحلم الأمريكي بامتلاك كندا. (العالم الحر) صار مرتبكا. تعطل نظام التشغيل كلية، أصابه فيروس ترامب بالشلل. سنأخذ “غرينلاند” لأنها مهمة للأمن القومي الأمريكي، يصرخ ترامب في وجوه شركائه الأوروبيين الخائفين.
حين تكتشف أوروبا ضعفها تختار المقاومة مسارا، لكنها مقاومة رسائل المقامر الأخيرة محدودة الأثر. مقامر من عصر (الروليت) مكشوف تماما ليس من ظهره فقط، بل ومن فوقه وتحته وعن يمينه والشمائل. لقد أحرق جميع المراكب دفعة واحدة خلال أربع سنوات... رغم أن ماكرون يظهر مكابرة سيئة أمام ترامب يحاول كارني كندا إظهار اعتزازه بقدراته على حماية طرف إنجلترا القصي فيعاقبه ترامب بسحب دعوته له إلى وليمة غزة.
تشكل ما يشبه الإجماع بأن العالم يشيع الآن النظام الدولي الذي حرسته أمريكا طويلا. لقد تداعت كل القواعد كما يؤكد المختصون بالقانون الدولي وفروعه. متغيرات عاصفة تهز أركان العالم، لكن الكثيرين أخذتهم السكرة اللحظية فلم يشعروا بقوة الاهتزاز، إنها سنن التغير. هناك قطبية جديدة تتشكل رغما عن الجميع. أردوغان يعلن نفسه أحد الأقطاب المؤسسة للعالم الجديد. لكن ما هي القواعد التي ستبنى عليها القطبية الجديدة؟ ما هي معايير التعدد القطبي؟ أين ستتموضع المصالح فيها؟
والأهم، ما هي المعايير التي سيتم بموجبها تصنيف الأقطاب الناشئة؟ وما مصير التحالفات القائمة الآن؟ وما مصير أتباع الأتباع في المعادلة العالمية الجديدة، الذين لم يتعلموا بعد سحر مقايضات الكبار؟!
