أكثر ما كنا محظوظين فيه أننا نشأنا على ثقافة رفيعة بالمجمل الأعم، ذلك بحكم طبيعة المدينة (عدن الوادعة)، وبحكم أننا كنا أكثر قربا من مؤسسات تصنع وتروج للثقافة وشعب كان دائما متعطش لها.
لم تكن 14 أكتوبر الثورة هي حظنا الوحيد، وإنما أيضا 14 أكتوبر الصحيفة. على الرغم من أن تأسيسها صادف يوم احتلال بريطانيا للمدينة، إلا أن ذلك جعل الأمر يبدو مفارقة مدهشة بين عالمين لا يمت أي منهما للآخر.
14 أكتوبر الصحيفة كانت للكثيرين منبرا يمتطيه نحو عوالم أخرى أكثر رحابة. كانت لشخصي المتواضع معينا لتحسين الأداء في القراءة المجردة، ولكن ليست العابرة بل المدرسية التعليمية بالدرجة الأولى. من الأمور المثيرة في علاقتي بالصحيفة أني كنت دائما ما أحصل على وجبة دسمة من (الصياح أو الضرب) في بعض الأحيان. ذلك بالطبع ليس بسبب قراءة الصحيفة، أبدا. كان السبب أني كنت (لما أروح السوق أشتري الصيد)، أنشغل بجمع قصاصات الصحيفة على طول الطريق خصوصا من جولة (زكو) عبر سوق الكدر وحتى أصل إلى (عند عوضين صاحب الصيد)، وكان هكذا يلقب لأنه من مشجعي فريق (الواي)، وقبل شراء الصيد أجلس على درجات السوق وأقلب ما جمعت من قصاصات 14 أكتوبر وأحاول تهجئة الحروف وقراءتها. كنت أستغرق وقتا طويلا لمشوار صغير كهذا، فلا أعود بالصيد إلى البيت إلا قبل دقائق من أذان الظهر، وكان علي أن أنتظر الجزاء الأوفى. في سنوات الابتدائية الأولى كنت نادرا ما أخرج بحصيلة معرفية من القراءة، بقدر ما تحسن أسلوب قراءتي. ذلك حدث متأخرا.
مع مرور الزمن تحول الأمر إلى إدمان للصحيفة. في لحظة ما وجدت نفسي مداوما على شراء الصحيفة من (بور سعيد)، وحتى منتصف الثمانينيات جمعت أعدادا لا تحصى من الصحيفة. ثم تبخر كنزي بالكامل بمجرد التحاقي بالخدمة العسكرية، الله يسامح في ذلك إدارة الإسكان.
لقد نشأنا والصحيفة معا، كانت جزءا من أيامنا وعبرها تعرفنا ليس فقط على ما يدور في العالم بل وعلى هامات صحفية فذة لا يمكن حصرها عبرت من هنا، وإن حاولنا لابد أننا نفلح.
ومنها نهلنا من قمم أدبية رفيعة متعددة المشارب وكثيرة المدارس والمذاهب، الجواهري، أحمد شوقي، أدونيس، محمود درويش، الزبيري، عبد المجيد القاضي، باوزير، محمد عبد الولي، أحمد محفوظ عمر، ميفع عبد الرحمن، هذه مجرد أمثلة فقط.
كانت الصفحة الأخيرة مبتغاي بحكم الموضوعات القصيرة والخفيفة، بينما كانت الأخبار لا تهمني كثيرا، لأننا تعودنا على (هنا لندن)، التي كانت عادة موروثة عندنا عن الكبار في البيت والشارع وحتى عمال البلدية الذين كانون يسكنون (البيوت الخمسة) لا يسمعون إلا (هنا لندن)، ففي طريقي للمدرسة صباحا يرافقني صوت مديحة المدفعي بكل أخبار العالم، إلى الآن لم نعد نعتقد بمصداقية لندن كثيرا بعد فهمنا ودراستنا للكثير مما يُعمل في مجالات الدس والتضليل الإعلامي.
كانت الصفحة الثقافية والصفحة الرياضية تأخذ بعضا من اهتمامي خصوصا ما يتعلق بأندية التلال والوحدة كان اهتماما فحسب، إلى جانب بعض القضايا. على أن التحليلات السياسية كانت تستهويني خصوصا عندما تكون بأسلوب رشيق يجمع بين السهولة والحرفية.
58 عاما مرت من عمر صحيفتنا خبرت خلالها النجاحات، تجاوزت المحن والمشكلات، وظلت تعاند صروف الدهر مجتمعة ومنفردة، ترتفع إلى قمة وتهبط في وهدة. ولكنها ظلت هي المدرسة التي رفدت الحياة الصحفية بكوادر رائعة. اليوم تضاف أمامها مصاعب تقنية كما هو حال الكثير من الصحف والمطبوعات حول العالم. إنه سيل التحول الرقمي الجارف... لا أعرف بعد ما هي الحلول التي ستعينها على الصمود. لكن المؤكد أن جيل Z، قدم حُرم تماما متعة العيش مع شيء معرفي ملموس، يلمسه بيده ويقلب صفحاته بحذر وشغف. لهذا كنا محظوظين. ميلاد فرح ومجيد... وعمر مديد طموح، أكتوبر.
