الجوهر لا يتغير
بانتهاء الحرب الباردة وتفسخ حلف وارسو كان طبيعيا أن ينحل حلف الناتو لانعدام السبب الذي وجد لأجله (المعسكر الاشتراكي)، كان ذلك عادلاً لو حدث. لكن سرعان ما غير الغرب صورة العدو ليستمر بقاء الحلف، فبدلاً من صورة (الدب الهائج) تم وضع تصور (للملتحي العابس) كرمز للإرهاب والتطرف، محصورا بالإسلام. لكن ما رأيناه لاحقا خصوصا بعد غزو العراق أن أغلب الجماعات المتطرفة أو التي صنفت أمريكيا وغربيا بأنها إرهابية إنما خرجت من باطن الفقاسة الغربية نفسها. أي أنها نشأت تحت نظر أجهزة المخابرات المنخرطة في حروب المنطقة العربية (العراق، سوريا، ليبيا بعدها حيثما نرى حروبا حاليا) حيث لا يجمع أفرادها بالإسلام غير ما لقنت به في المعامل الاستخبارية.
الموجات الاستعمارية منذ الثورة الصناعية وحتى اليوم لا تخلو من مبررات ظاهرية زائفة وأخرى حقيقية خفية. أي مبررات تسوقها للرأي العام المحلي والدولي وأخرى خفية تعبر عن مصالح سياسية وتوسعية واقتصادية ولوجستية وغيرها.
فمن حادثة المروحة التي روجتها فرنسا لاحتلال الجزائر في 1830، وقصة داريا دولت التي سوقتها بريطانيا لاحتلال عدن، وفكرة نشر مبادئ الثورة الفرنسية التي سوغت احتلال مصر، وأكذوبة حماية الحدود الجزائرية كسبب لاحتلال تونس. وإذا كان انتهاك النظام القاري المفروض ضد بريطاني هو السبب الظاهر لغزو نابليون لروسيا، وإذا كانت ذريعة حماية المصالح البريطانية من العثمانيين هي السردية الإنجليزية لاحتلال العراق، وحتى مسرحية أسلحة الدمار الشامل العراقية في القرن الجديد، فإن الدول الاستعمارية لا تعدم المبرر الذي تقنع به نفسها وتقدمه لإيهام الناس، بينما تخفي دوافعها الحقيقية. تلك الحقيقة لم تتغير يوما وهي لن تتغير لا بتغير الدول الطامعة ولا بتغير الظروف، ستظل السرديات الثنائية قائمة لدى جميع الدول في سياستها تجاه الدول الأضعف أو الدول المغرية للاستعمار. هي سنة استعمارية مؤكدة.
لا تتبين حقيقة دوافع أفعال الدول المستعمرة (بكسر الميم)، إلا بعد فوات الأوان عندما تتبدى المؤشرات المفصحة عن جملة المصالح التي تؤسس لها في الدول المستعمرة (بفتح الميم)، وهي في الوقت ذاته لن تعدم المسوقين المحليين لتلك المصالح وترويجها كأنها مصالح محلية محضة.
لكن اللافت أن السحر فعلا ينقلب على الساحر في لحظة مفصلية فارقة. في تلك اللحظة التي يتبعثر فيها المفهوم المقدس للمصلحة الجامعة ويحل محله مفهوم المصلحة الوطنية أولا.
مع صلفه وعدم قدرة خصومه وحلفائه على توقع تصرفاته، فإن ترامب يتصرف حيال المصالح الأمريكية بصورة نموذجية لما ذكرنا. إنه يتصرف بصورة غير تقليدية باعتراف الجميع. فبالنسبة له لم يعد تسويق المبررات الظاهرية ضروريا، فهو يصوب مباشرة على الهدف ثم يهدد باستخدام القوة للوصول إليه إذا فشل مشروع الصفقة التي يرغب في إبرامها. غزة تبدو مثالا حيويا لكيفية التملك والاستحواذ على الطريقة الترامبية، فها هو وحده يبيع صكوك الانتماء للفريق القيادي (للريفيرا) الشرق أوسطية، مليار ثمن زهيد بلغة ترامب الرقمية. كُثر الذين استجابوا لدعوة بطعم الأمر من ترامب، البعض تمنع وهو إلى الرغبة أقرب وهو أدرى بعاقبة الرفض. ترامب يقدم للمختارين صفقة تشبه صكوك استثمار في السياسة الدولية ليست محدودة زمنيا بفترة ولايته الثانية، ولكنها ستطول بقدر ما يطول به عمره، فحساب المستقبل النشط لم يغب عن البال.
يعرف ترامب يقينا أن لا بارقة أمل تلوح أمامه في ولاية ثالثة. الأمر هنا لا يرتبط بالتعقيدات التشريعية التي لمح إلى إمكانية الالتفاف عليها بلعبة من ألعاب حكام الشرق الأوسط، لكن المسألة مرتبطة أكثر بسن الرجل وقدراته الذهنية التي بدأ المراقبون يلاحقونها وينشرون حولها روايات مختلفة. مع كل الآمال العريضة إلا أني لا أتوقع أن يطول به المقام في الحياة وليس في البيت الأبيض فحسب.
كرجل صفقات مبهر كثير الحركة والنشاط لا يتوقف عند قاعدة أو إطار أو بروتوكول حيث “أخلاقياتي فقط” تحدد “صلاحياتي العالمية ولا أحتاج إلى القانون الدولي”، في ما ينتهجه من سياسة على المسرح الدولي، لكن الأمر ليس مصروفا إلى القانون الدولي حصرا، فالكثيرون يرون أنه لم يصل إلى ذلك التجاوز إلا بعد تدمير القواعد المعيارية للسلوك الداخلي.
بينما يحطم ترامب الصنمية الدبلوماسية المؤطرة عالميا في صورة (تابو) لا يجوز تدنيسه التي تبطن أكثر مما تعلن، يحافظ تلاميذ الحقبة الاستعمارية المخضرمون وحتى المبتدئون على التقاليد القديمة لبلوغ مآربهم.
