الذين يتنازعهم ذلك السؤال، تسيطر عليهم رغبات متناقضة فمن ناحية يستعجلون القدر الذي يعتقدونه محتوما، ومن أخرى يخافون تلك الحتمية. المتابع لا يعرف على وجه الدقة سببا لهذا التناقض ومتى تجتمع الرغبة والمخافة في مكان واحد وذات واحدة؟
نعتقد أن هذا الوضع الدرامي، المتولد خلال عقود من الشك والريبة بين الدول العربية (السنية) والدولة والجماعات الشيعية، مرده إلى انفلات ضوابط الاختلاف، والانتقال أو النقل المقصود للجدل بينها من النخب إلى الشارع إلى حيث لا يمكن الإمساك به وإعادته إلى الغرف البعيدة العالية عن التطفل. ببساطة، فإن التجريف المتبادل لجوهر الاختلاف الدنيوي وإلباسه ثوبا دينيا عاما متدثرا بغبار الماضي قاد الفرقاء إلى نقطة لا تراجع من تخومها بدون صدمة عنيفة تهز العقلية المهيمنة في أعماقها تعيدها إلى سواء السبيل.
لا يدرك محركو آلة الاختلاف تلك حجم الوهم الذي ينساقون فيه ويسوقون إليه الأمة. هل الخلاف فعل حيوي تنويري بنائي أم هو صراع تدميري يجب أن تُستدعى فيه كل مواقف وأدوات الماضي لتصفية الحساب المتراكم مرة وإلى الأبد؟؟
فإذا كان الأول، فكان الأحرى بالساسة ألا يدسوا أنوفهم فيه ويتركوه لمرجعيات دينية معتبرة تخوض وترد فيه كأي مسألة عالقة مجالها الفكر والاجتهاد وإمعان العقل، حيث الدين والعقل لا يناقضان بعضهما إلا ظاهريا، فالناس مأمورون بنص قرآني صريح (بالتفكر في خلق السماوات والأرض) وهي الجوهر، فما بالنا والانشغال بما هو أدنى؟؟
حرب أم سلام؟؟ ستضرب أم تُضرب؟
الرغبة في نشوب الحرب بين أمريكا وإيران، مسنودة بالاعتقاد بإمكان تحول ميزان القوى عن إيران لصالح قوى أخرى، كل الأطراف تطمح أن تكون هي المعنية. أما الخوف من نشوب الحرب نفسها فمبعثه أن الذين يتمنونها يخافون من بروز معادلة أخرى لا قبل لهم بها، كمثل المعادلة التي تولدت بعد العراق. حرب الـ 12 يوما كانت مجرد بروفة تحضيرية لحرب قد تكون أعنف وأشمل بدأتها إسرائيل وساندتها أمريكا. أما الحرب القادمة فستكون بهجوم أمريكي إسرائيلي متزامن على إيران. إيران من جانبها ستكون مستعدة لكل سيناريوهات المواجهة، وبالتالي لديها بنك للأهداف الأمريكية والإسرائيلية مرتبة حسب الأقرب فالأقرب، بما يعطل فعالية الهجوم والسلاسل اللوجستية المساندة أو يحدث خسائر موازية في المنطقة الحليفة.
لا يسع العرب تحدي الحرب إذا كان بمقدور إيران تحويلها إلى حرب شاملة (علي وعلى أعدائي)، بالنسبة للكثيرين تبدو الثقة منعدمة من النتائج التي يمكن أن تتمخض عن الحرب.
يعرف الجميع أن الحرب محتملة جدا ولا تحتاج إلى تأويلات أخرى ولا مجال فيها لأحلام اليقظة. ويعرف العرب أنهم الحلقة الأضعف في كل المعادلات السابقة واللاحقة، بسبب وضعهم الاستهلاكي الذي وضعهم خارج كل المعادلات التي يتم تصميمها في المنطقة.
وهكذا، إذا نشبت الحرب والظروف مهيأة لها فإن أي من الدول العربية - مهما كانت مواردها من الوفرة - لا يمكنها المنافسة على وضع القوة الإقليمية الصاعدة البديلة. تركيا هي القوة الصاعدة الحقيقية إلى جانب إسرائيل التي ثبتت نفسها كقوة إقليمية راسخة، ليس بسبب من الدعم الأمريكي وحده، ولكن أيضا بسبب الصراع العربي والإسلامي البيني، وبسبب تقدمها الصناعي والتقني الذي استثمرت فيه بكل طاقاتها ومواردها وتآمراتها ومغامراتها. أما تركيا التي كانت تعاني تدهورا عاما مطلع التسعينيات وعانت من التضخم، فقد عادت إلى النهوض على الأسس الأتاتوركية نفسها التي زعمت الجماعات الدينية التركية مناهضتها. تركيا الحاضر غير تركيا التسعينيات، أما عرب اليوم فهم عرب التسعينيات بإضافة تناقضات بنيوية عميقة.
