الكثيرون استهلوا فاتحة العشر الأواخر بالتفرغ للعبادات والذكر وتلاوة القرآن، والكثيرون أمثالنا عاشوا روحانية عظيمة في أجواء العمل المتفاني بالمعرض الوطني الثاني للبن والتمر، حيث تألق فيها المزارعون والمصنعون والمسوقون، مسنودين بخبرات أكاديمية ومعرفية من كلية ناصر للعلوم الزراعية ووزارة الزراعة والري والثروة السمكية، فرسموا بتكاتفهم أروع لوحة إبداعية لمعرض وطني متخصص بأهم السلع النقدية الإستراتيجية في بلادنا، مستحضرين تجارب رائدة ومتداولين خبرات مكتسبة ومعارف فنية ومعلومات ومقترحات غاية في الأهمية والتأثير في تطوير مجالات العمل المستقبلي في حقول الإنتاج ومعامل التصنيع والأسواق المستهدفة على الصعيد المحلي والخارجي.
وبينما يُرتل العابدون آيات الذكر، كان عابدون آخرون في أروقة «المعرض الوطني الثاني للبن والتمر.. ثروة وطن»، يرتلون بجهدهم وعرقهم آيات العمل المثمر، محولين أجنحة المعرض إلى محاريب تضاهي في ثوابها -بإذن الله- نوافل الصلاة والقيام.
فقد رفع نبينا الكريم محمد ﷺ من شأن العمل حتى جعله «كالجهاد في سبيل الله»، فأخبرنا أن من خرج يسعى ليعف نفسه أو يعول أهله فهو في طريق الجهاد.. ولعل المرابطين في جنبات المعرض، من مزارعين ومنتجين ومسوقين، هم صُنّاع حياة، يسهمون في تأمين الغذاء وتعزيز الهوية الوطنية لمنتجاتنا الزراعية التي تمثل العمود الفقري لاقتصادنا الوطني.
ولم يكن عرض البن والتمر والمنتجات الغذائية الأخرى مجرد ترويج تجاري، بل هو فعل إنساني عظيم؛ كون تقديم التوعية للناس بأهمية هذه الثروات وإيصالها للمستهلك بيسر وسماحة هو عين النفع الذي قال عنه المصطفى ﷺ: «أقربكم مني منزلةً يوم القيامة أنفعكم للناس». فكل يد تمتد لتسويق حبة بن أو تمرة طيبة، هي يد يحبها الله ورسوله لأنها «يد تعمل».
تجاوز عدد مرتادي المعرض عشرين الفاً من الشباب والنساء والأطفال والكهول وكبار السن الذين توزعوا فُرادى وجماعات في اجنحة العرض والكافيهات وورش العمل والمسابقات الفكرية والمسرح الثقافي، وشهدت إحدى صالات المعرض توزيع شهادات مشاركة للمزارعين من مديريات لبعوس ويهر بمحافظة لحج ومن مديرية الشعيب بمحافظة الضالع، وخلالها اشار رئيس اللجنة التحضيرية للمعرض الوكيل عبدالملك ناجي إلى ان بقية المزارعين من محافظات ابين وحضرموت وتعز سيتحصلون أيضاً على شهادات مشاركة؛ تقديراً لجهودهم الملموسة في إنجاز المعرض على النحو الأمثل.
وشهد المعرض مقابلات صحفية وتلفزيونية عكست انطباعات الاعتزاز والإشادة بالنجاح الكبير للمعرض رغم إقامته خارج مواسم الوفرة لمحصولي البن والتمر.. ويكتمل المشهد بتوجيه التقدير إلى أولئك الذين جعلوا من حلم المعرض واقعاً معاشاً؛ ونخص بالثناء رائد التنمية الزراعية والسمكية اللواء سالم عبدالله السقطري، وقائد السلطة المحلية المحافظ الشاب عبدالرحمن شيخ، الذين لم يكونوا مجرد رعاة من خلف المكاتب، بل كانوا مشاركين ميدانيين جنباً إلى جنب فريق الإعداد والتنظيم وجموع المزارعين والجمعيات والشركات المتخصصة.
كما نثمن الدور الهام للراعي الرسمي (بنك التسليف التعاوني والزراعي)، وكوكبة المنظمات التي ساندت إقامة المعرض كرسالة إنسانية وتنموية؛ وفي مصافها منظمة عبس التنموية، ومنظمة دوركاس الهولندية، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، ومنظمة رؤية الدولية، والمؤسسة الوطنية للتنمية والاستجابة الإنسانية، ومنظمة صناع النهضة، والغرفة التجارية والصناعية بعدن، كما لا يغفل أحد عن الدور المتميز لوزارة الصناعة والتجارة في تيسير إقامة المعرض، ومكانة عدن مول التجاري والسياحي- الموئل الرائع- الذي انعقدت مجدداً في كنفه فعاليات المعرض كامتداد خلَّاق لمسيرة المعرض الوطني الأول للبن، في ظل تجاوب منقطع النظير من إدارة المعرض ومجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه، مرسخين بذلك جسراً من الثقة والتفاني لخدمة المجتمع.
إن لفت الاهتمام إلى ثروات وطننا من البن والتمر والمنتجات هو نشاط اقتصادي وثقافي يتوافق مع مفهوم العمل كعبادة سامية، لأن نفع الناس هو أقصر الطرق لرفقة النبي ﷺ القائل: «أقربكم مني منزلةً يوم القيامة أنفعكم للناس».
وقد تلاحمت سواعد المشاركين بالمعرض في جهدٍ إنساني نبيل يؤجرون عليه كونهم أسهموا في عرض أهم منتجات الغذاء وقدموا التوعية لرواد المعرض بأهمية البن والتمر والمنتجات الزراعية المزدانة بها أركان وأجنحة المعرض، وكان لهم الدور الملموس في بيع المنتجات وخدمة المنتجين والمسوقين والمستهلكين.
لم يكن المشهد الإبداعي الذي واكب مجمل فعاليات المعرض؛ مجرد سيرة نجاح للمشاركين والرواد، بل ظاهرة وطنية جسدت أسمى معاني التعاون والتكامل، حيث التحمت قدرات المزارعين والجمعيات والشركات مع جهود المنظمين والجهات الداعمة والرعاة في لوحةً متجانسة تعكس قوة الإرادة وروعة الأداء لدى جميع الأطراف المشاركة.
وإذ نحتفي بالنجاح الكبير للمعرض، نثق جميعاً أن ما رافق مسار الإعداد والتنفيذ من صعوبات لوجستية وعثرات عابرة، لم تكن سوى دروس جليلة أسهمت في صقل التجربة؛ بما يرسِّخ اليقين أن «المعرض الوطني الثاني للبن والتمر .. ثروة وطن» مثَّل أيقونةً ملهمةً لمزيدٍ من العطاء والريادة في دروب التنمية.
* مدير المركز الوطني للبن
