هل يمكننا أن نختلف بهدوء وباحترام؟؟؟
ذات يوم كتبت منشورا عاتبت البعض على تداولهم لمفردات لا ينبغي أن نستخدمها ضد بعضنا. حينها كثرت المنشورات التي تحط من قدر أبناء عدن. وحينها قلت إن “لدى أبناء عدن قاموسا غنيا من المفردات التي يمكن أن يردوا بها على كل من يحاول التنمر عليهم أو الحط من قدرهم أو قدرتهم ومدنيتهم وانتمائهم لمدينتهم”. ذلك أنه ليس من الحوار والنقاش في شيء استخدام المفردات ذات الطابع العنصري أو المناطقي.
كانت الفكرة بالنسبة لي تكمن في محاولة إدارة الخلاف والاختلاف بروح الاحترام للآخر وفكرته، حتى لو اختلفنا عليها، أو عدم اتفاقنا مع تلك الفكرة ذاتها. أي أننا نحتاج لمناقشة وتحليل ونقد الفكرة أو الموقف بعيدا عن شخصنة الأمور وتحويل ردودنا المنفعلة إلى توصيفات وتهويمات واتهامات شخصية، وصولا إلى تجريد صاحب الفكرة المنقودة من انتمائه الوطني لمجرد أن له رأيا مخالفا لرأينا ونظرة أخرى مجانبة لنظرتنا.
لقد جرت العادة في العمل السياسي الوطني أن نرى تقلبات حادة في أمزجة ممارسي العمل السياسي والحزبي منه على وجه الخصوص. وكم رأينا عددا ليس قليلا من الساسة تغادر مرابعها الأولى وقواربها القديمة إلى قوارب أخرى بديلة في نزوع يراه البعض بأنه انتهازي أكثر منه سياسي. وقد انتقدنا ذلك المسلك لأننا لم نر فارقا جوهريا أو حتى مبدئيا بين القوارب الطينية، ما يجعل من القفز بينها ضرورة منطقية مفيدة لتطوير مضمون اللعبة السياسية.
ونحن ننتقد تلك العملية المثيرة - وهي حق بالطبع لصاحبها - لم نذهب في خطابنا حد النبش العميق للبحث عن فجوات تبيح لنا تحويل النقد إلى اتهام وتجريد وتجريح وطعن في النسب والمحتد والانتماء.
أحد المسؤولين السابقين، وهو بالمناسبة من أبناء عدن، نشر مقالا يعبر فيه عن تبنيه لقضية وطنية يحملها أحد الأطراف الفاعلة في الساحة. ومع أنه لا يتفق الجميع مع كل مواقفه أو تصرفاته، لكن أيضا ليس الجميع ينكر تلك التصرفات والمواقف.
اللافت ليس في مقال ذلك المسؤول، بل في ردود البعض على مقاله. بدلا من أن يقوم صاحب الرد بفصفصة المقال والرد عليه بطريقة هادئة ومناقشته بالحجج أو حتى تقديم مقترحات تجميلية للفكرة التي يحاجج بها، مع أنه يدافع عمليا عن شيء لم يعد له وجود على الأرض (حسب اعترافه في منشور سابق)، بدلا من ذلك راح يبحث في التاريخ الشخصي للرجل منذ طفولته وحتى تخرجه وتدرجه في السلم الوظيفي، ليدفع لنا بمعلومة حول أصول أسرته، وبهذه المعلومة يجرده من انتمائه لعدن وبالتالي من جنوبيته ثم من انتمائه (للجمهورية اليمنية) كنتيجة حتمية للمقدمات التي أوردها.
يبدو أن صاحبنا لا يدرك أن المدن (الكوزموبوليتية) أو العالمية مثل عدن تختلف عن المجتمعات المنغلقة على ذاتها، ولا تعترف بالهويات القبلية والقروية بقدر ما تعترف بالاندماج الاجتماعي للناس، بصرف النظر عن أصولهم وأديانهم وقبائلهم وألوانهم، في هذه الحالة تجمعهم الحياة المشتركة وليس عصبية الدم والقرابة. ولأن سكان المدينة قد جاؤوا من أطياف إنسانية مختلفة فقد شكلوا مزيجا متجانسا رائعا لا يقبل القسمة على العشائر؛ لأنه كون شعبا له مدنيا يحتكم للقانون، وله هوية وتاريخ وثقافة وقيم تتأثر وتؤثر فيما حولها، ولا يشذ عن هذا المزيج إلا ذاك الذي استعصى على المدينة هضمه وإعادة إنتاجه.
يجدر بنا وعي أن تدرّج الشخص بمؤهلاته في السلم الوظيفي من حارس بوابة إلى سدة الرئاسة ليس عيبا، بل هو المسلك الطبيعي والسوي للوصول للمراتب العليا، إنما العيب في النزول المظلي إلى كرسي المسؤولية. بمقدورنا أن ننبش في خفايا الجميع وأصولهم ونعرف الكثير في هذا المجال، لكن ذلك لن يفيد أحدا ولا يساعد أبدا على البناء. لو كان العالم يتصرف كما يتصرف بعضنا لما فاز زُهران ممداني عمدة لنيويورك، ولما اختير أمير غالب سفيرا، ولما فازت فتيات من أصول ضالعية ويافعية ويمنية في مجالس بلدية عديدة في بريطانيا وأمريكا وأماكن أخرى.
