قِفْ للمعلم وهو يحصي دخله آخر الشهر، لا ليُخطّط لمستقبلٍ واعد، بل ليوازن بين الضروريات القاسية. يقتطع من راحته ليؤمّن حاجات أسرته، ويؤجل أحلامه عاماً بعد عام، حتى غدت الأحلام نفسها متقاعدة قبله. يعيش بين دفاتر الطلاب ودفاتر الديون، وبين سبورة الفصل وسواد الواقع، محافظاً على وقاره كي لا يرى تلاميذه في عينيه انكساراً.
قِفْ له داخل فصولٍ دراسيةٍ ازدحمت حتى اختنق فيها الشرح. عشرات الوجوه المتعبة، وأصوات متداخلة، ومقاعد متلاصقة كأنها تشكو ضيق الحال. يقف المعلم في المنتصف، موزعاً صوته على الجميع، ناسياً نصيبه من الراحة، محاولاً أن يكون عادلاً في زمنٍ شحيح بالعدل.
يشرح الدرس مرة، ويعيده مرات، لا لأن المنهج صعب، بل لأن كثرة العدد تُنهك الفهم، وتستنزف الصبر، وتحوّل التعليم إلى معركة يومية مع الضجيج والتعب.
قِفْ للمعلم وهو يخرج من فصله منهك الجسد، متعب الروح، لكنه ما زال يحمل همّ طلابه معه إلى بيته. يفكر في المتعثر، وفي الفقير، وفي من غاب لأن الحياة كانت أقسى من قدرته على الحضور. لا تنتهي مهمته عند جرس الانصراف، فالمعلم لا يخلع رسالته كما يخلع معطفه.
قِفْ للمعلم حين يُحال إلى التقاعد بعد سنواتٍ طويلة من الخدمة. حين تُطوى صفحته الوظيفية، ويُترك وحيداً في مواجهة زمنٍ لا يرحم. تقاعدٌ يُفترض أن يكون استراحة عمر، فإذا به بداية معاناة جديدة. معاشٌ لا يكفي، واحتياجات صحية تتزايد، واهتمامٌ يتضاءل حتى يكاد يختفي.
وقِفْ أكثر وتأمل حين يكون التقاعد بسبب المرض. مرض تراكم مع الوقوف الطويل، ومع الإجهاد المستمر، ومع الإهمال المزمن. معلمون أفنوا صحتهم في خدمة أجيال، فإذا بهم يُحرمون من حقهم في العلاج، أو يُعاملون كأعباء لا كأصحاب فضل. تُغلق الأبواب في وجوههم، ويُترك الألم ليقوم مقام الرعاية، وكأن العطاء لا يستحق مقابلاً من الرحمة.
قِفْ للمعلم، لأن الوفاء له لا يكون في الخطب وحدها، بل في السياسات العادلة، وفي الرواتب المنصفة، وفي الرعاية الصحية الكريمة، وفي فصولٍ دراسيةٍ إنسانية العدد والبيئة. قِفْ له لأن من علّم الناس كيف يقفون على أقدامهم، لا يجوز أن يُترك واقفاً وحده في وجه التعب.
قِفْ للمعلم، فبوقوفنا له، نقيم للعدالة درساً، وللإنسانية امتحاناً لا يجوز أن نرسب فيه.
