إن الحديث عن دعم الاستقرار في عدن لا يمكن فصله عن الدور المفترض للدولة بوصفها الإطار الجامع الذي ينظم الحياة العامة ويحمي مصالح الناس. فالدولة، في نظر المواطن، ليست مجرد مؤسسات أو مبانٍ رسمية، بل هي الكهرباء التي تعمل، والمياه التي تصل، والطريق الآمن، والمدرسة التي تفتح أبوابها، والمستشفى القادر على تقديم الحد الأدنى من الرعاية. كل إخفاق في هذه الجوانب يتحول إلى عامل ضغط، وكل نجاح بسيط يصبح خطوة باتجاه التهدئة والاستقرار.
لقد أثبتت التجربة أن المقاربة الأمنية وحدها لا تصنع استقرارًا دائمًا. صحيح أن ضبط الأمن ومنع الفوضى شرط أساسي، لكنه لا يكون فعالًا إلا حين يقترن بسيادة القانون وعدالة تطبيقه.
المواطن بحاجة إلى أن يرى القانون مظلة تحميه، لا أداة تُستخدم ضده أو تُطبق بانتقائية. حين يشعر الناس بأن حقوقهم مصونة، وأن الخلافات تُحل عبر المؤسسات لا عبر القوة، تتراجع النزاعات، ويزداد الإحساس بالأمان.
إلى جانب ذلك، يشكّل الوضع الاقتصادي التحدي الأبرز أمام الاستقرار. فالتدهور المعيشي لا يخلق فقط معاناة فردية، بل يهدد السلم الاجتماعي برمته. ارتفاع الأسعار، ضعف الدخل، وتآكل القدرة الشرائية تجعل المواطن في حالة توتر دائم، وتفتح الباب أمام الاحتقان والغضب. ومن هنا، فإن دعم الاستقرار يتطلب سياسات اقتصادية واضحة تضع معيشة الناس في صدارة الاهتمام، عبر انتظام الرواتب، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، ودعم الفئات الأكثر تضررًا.
كما أن تحسين الخدمات الأساسية يمثل حجر الزاوية في أي مسار جاد نحو الاستقرار. فالكهرباء، والمياه، والصحة، والنظافة ليست ترفًا، بل أساس الحياة الحضرية. كل ساعة انقطاع، وكل خلل متكرر، يرسّخ شعور الإهمال ويقوّض الثقة. وعلى العكس، فإن أي تحسن ملموس في هذه القطاعات ينعكس مباشرة على المزاج العام، ويمنح الناس إحساسًا بأن الأمور يمكن أن تسير نحو الأفضل.
ولا يمكن إغفال دور الإدارة المحلية في هذا السياق. فالدولة لا تُختزل في المركز فقط، بل تتجسد في السلطات القريبة من الناس. حين تكون الإدارة المحلية فاعلة، شفافة، وقادرة على الاستجابة، يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن مشاكله ليست بعيدة عن متناول الحل. تمكين هذه الإدارات، مع (إخضاعها للمساءلة)، يعزز المشاركة المجتمعية، ويحوّل المواطن من متلقٍ سلبي إلى شريك في حماية مدينته واستقرارها.
في جوهر الأمر، الاستقرار في عدن ليس حالة تُفرض من الأعلى، بل نتيجة طبيعية لعلاقة صحية بين الدولة والمجتمع. علاقة تقوم على التزام متبادل: الدولة توفر الأمن والخدمة والعدالة، والمواطن يلتزم بالقانون ويحمي السلم العام. هذا العقد غير المكتوب، متى ما تم ترميمه، يمكن أن يشكّل الأساس الصلب لاستقرار حقيقي ومستدام.
عدن لا تفتقر إلى الإمكانيات، بل إلى إدارة واعية لهذه الإمكانيات، وإلى رؤية تضع الإنسان في قلب السياسات. وبين (هشاشة الواقع) وصعوبة المرحلة، تظل إمكانية الاستقرار قائمة، شرط أن تتحول الدولة من فكرة بعيدة إلى حضور يومي ملموس، يشعر به المواطن في تفاصيل حياته، لا في أوقات الأزمات فقط.
