في مقدمة هذه المؤشرات يبرز انفراج ملف تأخير صرف الرواتب، ذلك الهمّ المزمن الذي ظل يؤرق شريحة واسعة من الموظفين، إلى جانب تحسن نسبي في خدمة الكهرباء، واستقرار أمني ملحوظ تحقق عبر انتشار مدروس وحيوي للنقاط الأمنية، ما أعاد قدرًا من الطمأنينة إلى الشارع.
وفي ملف الكهرباء تحديدًا، يبرز الاستقرار الملحوظ خلال هذه الفترة فترة الأحمال المنخفضة كمؤشر إيجابي لا يمكن تجاهله، إذ ساهم انخفاض الطلب (الأحمال) إلى حدود 250 - 300 ميجاوات في تحسن الخدمة، وخفف من معاناة المواطنين بعد سنوات من الانقطاعات القاسية. غير أن هذا التحسن يظل مشروطا بقدرته على الصمود أمام الاختبار الحقيقي المتمثل في فصل الصيف، حين ترتفع الأحمال بصورة حادة من نحو 300 ميجاوات إلى ما يقارب 800 ميجاوات. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تم بناء هذا الاستقرار على أسس قادرة على تحمل ذروة الأحمال، أم أنه نتاج ظرف مؤقت سرعان ما سيتبدد مع أول موجة حر؟
فالتجارب السابقة تجعل من القلق أمرًا مشروعًا، وتؤكد أن الاستقرار الحقيقي للكهرباء لا يُقاس في الفترات المواتية، بل في القدرة على إدارة الذروة، من حيث توفير الوقود، وجاهزية محطات التوليد، وكفاءة شبكات النقل والتوزيع، بما يحول دون عودة الانقطاعات الطويلة التي تقوض أي حديث عن تحسن خدمي مستدام.
وتكتسب خطوة توفير النفط الخام من الحقول الوطنية والبحث عن سبل إعادة تشغيل مصافي عدن أهمية مضاعفة، ليس فقط على مستوى توفير الطاقة، بل لما تمثله من رافعة للاستقرار النقدي، كونها تخفف من الطلب على العملات الحرة، وتحدّ من استنزاف السوق المحلية، بما ينعكس إيجابًا على أسعار الصرف ويمنح الاقتصاد هامش توازن طال غيابه.
وفي السياق ذاته، تعكس اللقاءات المكثفة التي يعقدها وزير الدولة محافظ العاصمة عدن مع المكاتب التنفيذية، خصوصًا الخدمية منها، توجهًا نحو كسر الجمود الإداري، والانتقال من إدارة الأزمات بالتصريحات إلى متابعتها ميدانيًا، وهو ما يُحسب إذا ما تُرجم إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ورغم هذه الإشارات الإيجابية، تبقى ملفات شائكة لا تقبل التأجيل، وفي مقدمتها وضع المستشفيات الحكومية، التي تحتاج إلى إصلاح إداري وفني شامل، يعيد لها قدرتها على أداء دورها الحيوي. كما تفرض أوضاع الطرقات المتدهورة نفسها كأولوية خدمية لا تقل أهمية، لما تمثله من خطر يومي على حياة المواطنين.
ولا يكتمل الحديث عن الاستقرار الخدمي دون التوقف عند شبكات الصرف الصحي والمياه وأحواض المعالجة للمياه العادمة، باعتبارهما من أساسيات العيش الكريم، إضافة إلى ضرورة ضمان انتظام صرف الرواتب مستقبلًا، بوصفه عاملًا حاسمًا في استقرار المجتمع وتعزيز ثقته بمؤسسات الدولة.
أما التعليم، فيظل الحجر الأساس لأي تعافٍ حقيقي، وهو ما يستدعي توفير المعلم المتخصص الكفؤ، والكتاب المدرسي في موعده، وبناء مدارس جديدة لمواكبة التوسع السكاني، وزيادة عدد الفصول الدراسية للحد من الاكتظاظ وتحسين البيئة التعليمية.
عندها فقط يمكن أن تغادر كلمة حلحلة العنوان، لتصبح واقعًا مؤكدًا، لا مجرد وعود مؤجلة.
