شريان الحياة لأربع مديريات يصارع نقص الكادر والدعم ويواصل تقديم خدماته المجانية



14 أكتوبر/ خاص:
تقرير/ أصيل البريهي:
في منطقة ريفية تتوزع فيها التجمعات السكانية على مسافات طويلة، ويشكّل الوصول إلى مدينة تعز عبئًا ماليًا وإنسانيًا على المرضى، يقف مستشفى المسراخ المحوري بوصفه خط الدفاع الأول عن صحة آلاف المواطنين. فعلى مدار الساعة تستقبل أقسامه المرضى والحالات الطارئة، بينما يواصل الكادر الطبي أداء واجبه رغم محدودية الإمكانات وتراجع الدعم الإنساني الذي كان يمثل ركيزة أساسية لاستمرار الخدمات.
ورغم انسحاب عدد من المنظمات الإنسانية خلال الفترة الأخيرة، وما ترتب على ذلك من توقف دعم أقسام حيوية، لا يزال المستشفى يواصل تقديم خدماته العلاجية المجانية، مستندًا إلى جهود كوادره الطبية وإدارة المستشفى التي تحاول سد الفجوة بإمكانات محدودة.
ويقدم المستشفى حزمة متكاملة من الخدمات الصحية من خلال أقسامه المختلفة التي تشمل قسم الطوارئ العامة، العيادات الخارجية، قسم التغذية، وحدة التطعيم، قسم الإحصاء والسجلات الطبية، المختبر، عيادة الأسنان، عيادة الأمراض المزمنة، قسم الأشعة، وحدة علاج الإسهالات، وحدة تنظيم الأسرة، قسم العمليات، وحدة رعاية الحوامل، قسم التموين الطبي والصيدلية، إضافة إلى جهاز الموجات الصوتية (السونار)، ما يجعله قادرًا على تقديم خدمات تشخيصية وعلاجية متكاملة لسكان المنطقة.
انسحاب المنظمات... تحدٍ جديد
يقول مدير عام مستشفى المسراخ المحوري، الدكتور عبد الودود العامري، إن بداية العام الجاري كانت من أصعب الفترات التي مر بها المستشفى، عقب الانسحاب المفاجئ للمنظمات الإنسانية التي كانت تتولى تشغيل عدد من الأقسام الأساسية.
وأوضح أن الانسحاب أدى إلى توقف خدمات أقسام علاج الإسهالات (DTC)، والتغذية، والتكامل، كما تسبب في فقدان عدد من الكوادر التي كانت تعمل بعقود ممولة من تلك المنظمات، الأمر الذي اضطر إدارة المستشفى إلى التعاقد مع أربعة أطباء و14 ممرضًا وقابلة من الموازنة التشغيلية، لضمان استمرار الخدمات وعدم إغلاق الأقسام.
وأضاف العامري أن المستشفى يعتمد رسميًا على عدد محدود جدًا من الموظفين، في حين يفوق حجم العمل الإمكانات البشرية المتاحة، ما يضاعف الأعباء على الكادر العامل.
مستشفى يخدم أربع مديريات
لا يقتصر دور المستشفى على أبناء مديرية المسراخ، بل يمتد ليخدم سكان أربع مديريات هي: المسراخ، المعافر، جبل حبشي وصبر الموادم، ما يجعله أحد أهم المرافق الصحية في الريف الجنوبي لمحافظة تعز.
وبحسب إدارة المستشفى، استقبلت مختلف الأقسام خلال النصف الأول من العام الجاري نحو 45 ألف متردد، في مؤشر يعكس حجم الاعتماد عليه، خصوصًا مع استمرار تقديم خدمات الطوارئ العامة، والطوارئ التوليدية، والعمليات الجراحية على مدار الساعة.
الطوارئ التوليدية... خدمات مجانية رغم التحديات
داخل قسم الطوارئ التوليدية، تواصل الكوادر الطبية استقبال الحالات على مدار 24 ساعة، وسط ضغط متزايد ونقص في بعض الأدوية والمستلزمات الطبية.
وتؤكد رئيسة القسم، الدكتورة صفية عبد العزيز سيف الحاج، أن القسم يقدم خدمات الولادة الطبيعية والقيصرية، والتعامل مع حالات النزيف والإجهاض واستئصال الرحم، إضافة إلى الرعاية الإسعافية للأم والجنين، مشيرة إلى أن جميع هذه الخدمات تقدم مجانًا.
وأضافت أن المستشفى يوفر ما يتوافر لديه من أدوية، بينما يضطر المرضى إلى شراء بعض العلاجات غير المتوفرة من خارج المستشفى بسبب محدودية الدعم، مؤكدة أن تعزيز الكادر الطبي المتخصص وتوفير الأدوية يمثلان أبرز احتياجات القسم في المرحلة الحالية.
قصص نجاح رغم قسوة الظروف
ورغم التحديات، يواصل مستشفى المسراخ تحقيق نجاحات طبية تعكس كفاءة كوادره.
وتروي الدكتورة صفية حالة لسيدة حامل بتوأم من منطقة الأقروض، كانت بحاجة إلى عملية قيصرية، إلا أن الفريق الطبي، وبعد تقييم حالتها وتجهيزها، تمكن من إتمام ولادة طبيعية ناجحة، خرجت بعدها الأم وطفلاها بصحة جيدة.
وتؤكد أن مثل هذه النجاحات تتكرر باستمرار، خاصة مع استقبال المستشفى حالات من مديريات بعيدة، وهو ما يعزز ثقة المواطنين بالخدمات المقدمة.
نقص الكادر... الأزمة الأكثر إلحاحًا
ويرى الدكتور العامري أن المشكلة لا تكمن في غياب الكفاءات الطبية، بل في صعوبة استبقائها داخل المستشفى بسبب تدني الرواتب مقارنة بالحوافز التي كانت توفرها المنظمات الإنسانية.
وأشار إلى أن محافظة تعز تضم أعدادًا من خريجي التخصصات الطبية، إلا أن غياب الوظائف الحكومية وضعف الإمكانات المالية يحولان دون الاستفادة منهم، وهو ما ينعكس سلبًا على مستوى الخدمات الصحية في المناطق الريفية.
احتياجات ملحة
ويؤكد مدير المستشفى أن أولويات المرحلة المقبلة تتمثل في إنشاء مبنى جديد يتناسب مع تصنيف المستشفى كمستشفى محوري، وإعادة تشغيل الأقسام المتوقفة، وتشغيل قسم الحاضنات، واستكمال إصلاح جهاز الأشعة، وتطوير المختبر، وإنشاء قسم للإنعاش، إلى جانب توفير الكوادر الطبية المتخصصة في مختلف المجالات.
وأضاف أن المستشفى نجح رغم الظروف في رفع موازنته التشغيلية، وتدريب كوادر لتشغيل الحاضنات، والحفاظ على استمرار خدمات الطوارئ والعمليات الجراحية، إلا أن هذه الجهود لا تزال دون مستوى الاحتياج الفعلي.
رسالة إلى الجهات المعنية
وفي ختام حديثه، وجه الدكتور عبد الودود العامري نداءً إلى وزارة الصحة، والسلطة المحلية بمحافظة تعز، والمنظمات والجهات المانحة، داعيًا إلى دعم المستشفى بالكادر والتجهيزات والبنية التحتية، مؤكدًا أن استمرار هذا المرفق الصحي يمثل ضرورة إنسانية لسكان أربع مديريات يعتمدون عليه بوصفه الملاذ الأول لتلقي الرعاية الصحية.
وبين واقع الإمكانات المحدودة، وإصرار الكادر الطبي على مواصلة العمل، يظل مستشفى المسراخ المحوري نموذجًا لمؤسسة صحية تكافح من أجل البقاء، وتحمل على عاتقها مسؤولية إنقاذ الأرواح، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى دعم حقيقي يضمن استمرار خدماتها وتطويرها بما يواكب احتياجات المواطنين.
