لم تكن مرآتي تعنيني بشيء ولم يعد نظري عالقا بها مثلما كان من قبل، نسيت نفسي ونسيت مرآتي التي أنظر إليها وأتحسس فيها ملامح وجهي وشعري. لم يعد أي شيء يستهويني أو يجذبني إليه. لهذا أهملت إطراء أمي وهي تمدح جمالي، عندما طلبت مني أن أتزين وأعد نفسي للدخول عليهم، أحمل أكواب الشاي وصحن الحلوى التي وضعتها أمي وأعدتها لهم. لم تكن زيارة عمي “أخو السلطان” مع ابنه إلى بيتنا في عدن عادية، بل كانت زيارة خاصة لأجل طلب الزواج لابنه الذي حضر معه، قالت أمي مهما يكن فإن هذا الزواج حتمي ومقرر لي منذ ولدت، كان يجب أن أفهم ذلك منذ كنت صغيرة، كانوا يقولون ذلك، لكن كنا صغارا حين كنا في القرية، أعرف أن نيتهم صادقة اتجاهي، وأن العادات والتقاليد والأعراف القبلية هي من تفرض ذلك بأن البنت تكون لابن عمها.
خطئي أني أحببت، نعم أحببت أحمد ذلك الشاب الذي دخل بيتنا في عدن، ذو الوجه الحسن والحديث الحلو، الذي اعتاد أن يقضي أوقاتا طويلة مع أخي محسن والجلوس معه في حديقة البيت يتبادلان الحديث. لم يكن ذلك غريبا أن أعجب به وأحب طلته، ما كان لي أن أعرف أن هذا الحب مستحيل، وما جرى بيني وبينه قد لا يعرفه أحد، كان شغفا وإعجابا، بل هو سحر لذيذ لا يعرفه إلا من ذاق حلاوته وطعم لذته. ذلك هو الحب الذي يصيب الفتاة..
صحيح كنت أحلم بالزواج من أحمد، دون أن أتخيل أن هذا خطأ، وأن حلمي سيتغير هكذا في لحظة لم أكن أحسبها، وأني لا أستطيع البوح بما أرغب وبما في داخلي، ولا أستطيع أن أقول لأمي أو أبي إني أحب أحمد، فهذا يعد خطرا كبيرا ولا يتقبله أحد في العائلة، كل شيء كان مقفلا أمامي.. والرضوخ والقبول بالزواج بابن عمي أمر لا مفر منه..
هكذا بدت حياتي، أنام وأصحو وكأني أعيش حلما لم أصحُ منه، لم يعد أي شيء يناديني، الكل ابتعد، حتى جدران البيت رفضتني كما رفضتني مرآتي ولم تذكر ملامح وجهي ورشاقة جسمي ولون شعري، ستائري المعلقة خلف النافذة لم تتذكر لهفتي واشتياقي له عندما يأتي، لم تنزح من أمامي كعادتها كل يوم، لحظات كثيرة تنتابني تجعلني أفكر في طريق للخلاص، لم أجد إلا الموت أمامي، هل علي فعل ذلك؟ يمكن أن أضع السم في الماء وأخلص نفسي أو أخنق نفسي في الحمام.. لكني أخاف الموت ولا أعرف كيف سيكون موتي.. هل سيباغتني أم سيكون رحيما بي؟
إذن هل الذهاب إلى الموت هو الحل؟ وهل علي فعل ذلك، ولكن هناك طرقاً كثيرة للموت، لا أريد الموت هكذا.. فأنا لا أستطيع فعل ذلك.. ولكن لا أحد يسمعني هنا.. حتى لو قلت لهم إنكم أخطأتم الاختيار.. في العائلة دائما يكون الثمن باهظا.. ولا نستطيع أن نسترد حياتنا بعدها.. أو تكون لنا حياة كما كانت من قبل.. مصيبة ولا أعرف ما أفعل، هل أقبل الزواج من ابن عمي أو اختار الطريق نحو الموت.
