“كلٌّ ينام على الجنب الذي يريحه”؛ قاعدة يجسّدها الواقع المرير في عدن هذه الأيام، حيث يفترش المواطنون أرصفة الشوارع هرباً من الموت خنقاً داخل بيوتهم بسبب انقطاع الكهرباء الذي وصل إلى 10 ساعات إطفاء مقابل «ساعتين تشغيل» فقط.
هذا الوضع الكارثي لم يعد أزمة خدمات، بل تحوّل إلى معضلة إنسانية وصحية. اختنق الآلاف، وبلغت المعاناة حداً لا تحتمله الأجساد، فكانت الوفيات بين كبار السن والمرضى. وأمام هذا الانسداد اندفع الشباب غاضبين إلى الشوارع في لحظات احتقان كادت تعصف بالمدينة، لولا الحاجة الملحة لتحكيم العقل وحقن دماء شبابنا.
ومع كل هذا الوجع، يظل الرهان على وعي أبناء عدن كبيراً. فالعلاقة بين المواطن والسلطة المحلية ممثلة بالمحافظ، ووزارة الكهرباء ممثلة بالوزير، علاقة ثقة وتلاحم. يدرك الشعب حجم الجهود ويقف صفاً واحداً في مواجهة هذه التركة الثقيلة.
إن خطورة الوضع تفرض مكاشفة واضحة:
أولاً: المسؤولية الكبرى تقع على التحالف الذي يملك الالتزام الأخلاقي والسياسي، لكن دعمه ظل محصوراً في وعود ومنح نفطية ترقيعية، دون حلول استراتيجية أو مشاريع طاقة جذرية تنتشل العاصمة المؤقتة.
ثانياً: إلى جانب الخذلان الإقليمي، يقف المجتمع الدولي متفرجاً أمام مدينة بحجم عدن التاريخي والجغرافي. يتساءل المرء: ماذا يريد العالم لعدن؟ هل يريد لهذه المنارة الملاحية ومركز التجارة العالمية أن تموت في الظلام؟
ثالثاً: يواجه المحافظ تحدياً صعباً، فاستمرار الأزمة لم يطفئ المنازل فقط، بل عرقل خطط التنمية والمشاريع الحيوية، وبات غياب الطاقة حجر عثرة أمام أي تقدم.
رابعاً: تجد السلطة المحلية والوزارة نفسيهما مكبلتين بعجز مالي خانق وشحة موارد، يفاقمها توقف تصدير النفط وتهالك البنية التحتية، مما يجعل الجهود الفردية عاجزة عن تأمين الوقود دون إسناد حقي.
إن ليل عدن لم يعد يحتمل الوعود المسكنة. الكارثة تمس حياة الناس وتعطل تنميتهم. وبين شحة إمكانيات السلطة التي تقف في خندق واحد مع المواطن، وبين الخذلان الإقليمي والصمت الدولي، تبقى الحقيقة: لن تموت مدينة تنبض بالصبر والكبرياء، ولن تنكسر ما دامت تملك قيادة مسؤولة تناضل مع شعبها من أجل غدٍ تستحقه.. عدن لن تموت أبداً.
