لم يكن حديث فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي عن دخول العلاقات اليمنية السعودية مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية المثمرة مجرد تصريح عابر، بل إعلاناً سياسياً عن انتقال العلاقة من منطق «تحالف الضرورة» إلى منطق «شراكة الدولة». فالأهم في هذا الحديث ليس حجم الدعم السعودي أو أثره المباشر في قطاع الكهرباء، بل الإطار السياسي الذي وُضع فيه: دعم لا يُقرأ بوصفه مساعدة ظرفية، بل جزءاً من مشروع أوسع لاستعادة الدولة اليمنية، وتعزيز قدرتها على التعافي، وربط المساندة الخارجية بمسار إصلاحي ومؤسسي.
في هذا التحول يبرز الدور المركزي للرئيس العليمي؛ فمنذ توليه قيادة مجلس القيادة الرئاسي، تعامل مع العلاقة مع السعودية لا كملف دبلوماسي عابر، بل كأحد أعمدة إعادة بناء الدولة. فاليمن الخارج من سنوات الحرب والانقسام لا يحتاج إلى تنسيق سياسي مؤقت فحسب، ولا إلى تحالف تفرضه مواجهة الحوثيين فقط، بل إلى علاقة أكثر انتظاماً ومؤسسية، قادرة على تحويل الدعم إلى سياسات، والسياسات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى أثر يلمسه المواطن.
لقد أدرك العليمي أن الحرب قد تفرض التنسيق، لكنها لا تصنع وحدها شراكة مستدامة. فالشراكة الحقيقية تقوم على إدراك متبادل للمصالح، وثقة سياسية، وأمن مشترك. ومن هنا فإن السعودية، في هذا التصور، ليست مجرد دولة داعمة للشرعية اليمنية، بل شريك في إعادة بناء الدولة، واليمن ليس ساحة أزمة تنتظر الإنقاذ، بل دولة شقيقة يمكن أن تكون جزءاً من المجال الاستراتيجي الخليجي والعربي متى استعادت مؤسساتها وقرارها.
وتكتسب هذه الشراكة أهميتها من السياق الإقليمي الذي تتحرك فيه. فالمشروع الحوثي لم يعد شأناً يمنياً داخلياً، بل صار أداة ضغط إيرانية على أمن المملكة، والملاحة الدولية، وتوازنات البحر الأحمر، وفكرة الدولة الوطنية في المنطقة. لذلك لا تكفي المواجهة العسكرية أو الإدانة السياسية، بل لا بد من بناء نموذج بديل: دولة قادرة، ومؤسسات فاعلة، وخدمات حاضرة، واقتصاد قابل للتعافي. وهنا تصبح الشراكة مع السعودية جزءاً من المواجهة الشاملة مع مشروع «اللادولة»، لا مجرد هامش مساعد.
ومن زاوية أخرى، يحاول العليمي إعادة تقديم اليمن للسعودية وللإقليم بلغة «الدولة الممكنة» لا «الدولة المنهارة». فاليمن الذي بدا خلال الحرب ملفاً مرهقاً ومكلفاً ومفتوحاً على الانقسامات، يمكن أن يتحول إلى شريك في الاستقرار إذا جرى تمكين مؤسساته، وإسناد إصلاحاته، وإعادة دمجه في محيطه الخليجي والعربي. غير أن هذا التحول لا يتحقق بالخطابات وحدها، بل يحتاج إلى ثقة، وهي الكلمة المفتاحية في العلاقة بين الرئيس العليمي والقيادة السعودية.
فالرياض لا تبني شراكاتها الكبرى على المجاملات، بل على حسابات المصالح والأمن والقدرة على الالتزام. وقد قدّم العليمي نفسه بوصفه رجل توازنات، يدرك حساسية الداخل اليمني وحجم الدور السعودي، ويخاطب الرياض بلغة المسؤولية لا الاستنزاف. وفي المقابل، تعاملت القيادة السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مع اليمن بوصفه جزءاً من معادلة الأمن القومي السعودي والعربي، لا مجرد ملف حدودي أو إنساني.
وما يميز خطاب العليمي أنه لا يكتفي باستدعاء الدعم السعودي، بل يربطه بضرورة الإصلاح الداخلي. فالدعم لا يتحول إلى استقرار إذا لم يمر عبر مؤسسات قادرة، ولا يصبح تنمية إذا لم تحكمه الشفافية والكفاءة. لذلك فإن ربط الدعم السعودي بالإصلاحات الاقتصادية والمالية والخدمية والإدارية هو إعلان واضح عن شرط نجاح الشراكة: السعودية تساند، لكن الدولة اليمنية يجب أن تنهض بمسؤوليتها.
ومن هنا ينبغي قراءة المنحة النفطية الجديدة باعتبارها شاهداً على هذه الشراكة لا عنواناً وحيداً لها. فهي مهمة لأنها تمس قطاع الكهرباء، لكنها أهم سياسياً لأنها تكشف أن الرياض لا تزال تراهن على قدرة الدولة اليمنية على التعافي، وأن الرئاسة اليمنية تحاول تحويل هذا الرهان إلى مسار إصلاحي ومؤسسي. فالكهرباء في بلد أنهكته الحرب ليست خدمة فنية فقط، بل اختبار لحضور الدولة ومقياس لثقة المواطن بها.
والأهم أن العليمي يربط العلاقة مع السعودية بأفق أوسع يتصل برؤية المملكة 2030 وبالتحولات الاستراتيجية في المنطقة. فالسعودية لم تعد تنظر إلى جوارها بمنطق إدارة المخاطر فقط، بل بمنطق بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً واتصالاً بمشاريع التنمية الكبرى. واليمن، بموقعه الجغرافي وموانئه وقربه من خطوط التجارة والطاقة، يمكن أن يكون جزءاً من هذه البيئة إذا خرج من قبضة الحرب والمليشيا والانقسام.
غير أن هذا الطموح يضع مسؤولية كبيرة على القيادة اليمنية. فالشراكة لا تنقذ الدولة إذا لم تساعد الدولة نفسها على النهوض، ولا يمكن للدعم الخارجي أن يعوض غياب الإصلاح الداخلي. ومن هنا تبدو مهمة العليمي معقدة: قيادة مجلس رئاسي متعدد المكونات، وإدارة حكومة تواجه إرثاً اقتصادياً ثقيلاً، والحفاظ على ثقة الخارج، وفي مقدمته السعودية، وسط انقسام داخلي ومشروع حوثي مسلح. وفي مثل هذا السياق، لا تكون السياسة صراخاً، بل هندسة هادئة للتوازنات، ومنعاً للانهيار، وتوسيعاً لهامش الممكن.
إن الدلالة الأعمق لهذه الشراكة أنها تحاول نقل اليمن من موقع «الأزمة» إلى موقع «الشريك» في الأمن الإقليمي. وهذا يتطلب خطاباً يمنياً موثوقاً، وأداءً مؤسسياً أكثر كفاءة، وإقناعاً للداخل بأن الشراكة مع السعودية ليست تبعية، بل استعادة للعمق الطبيعي، وليست بديلاً عن القرار اليمني، بل سند له حين يكون وطنياً ومسؤولاً ومؤسسياً.
وختاماً، لا تكمن أهمية حديث الرئيس العليمي في إعلان دعم سعودي جديد، بل في صياغة المعنى السياسي لهذا الدعم ضمن تحول أكبر: انتقال العلاقة اليمنية السعودية من التنسيق السياسي إلى الشراكة الاستراتيجية المؤسسية. وبين اليمن والسعودية لم تعد المسألة مجرد جوار جغرافي أو تحالف سياسي، بل معادلة مصير مشترك؛ فاستقرار اليمن يحمي أمن المملكة، ونهوض اليمن يوسع أفق الإقليم، واستعادة الدولة اليمنية تضع حداً لمشروع المليشيا والارتهان. وفي قلب هذه المعادلة يقف الرئيس العليمي محاولاً تحويل العلاقة مع السعودية من سند في الأزمة إلى شراكة في بناء الدولة.
