غزو الفئران للمدن من الغرائب الجديدة التي تنتشر في العالم هذه الأيام، ويرى العلماء ان انتشار الفئران هذا في كثير من المدن الأمريكية والعالمية وخاصة في كندا وأستراليا وبريطانيا يعد “مؤشرا على التغييرات المناخية الخطرة التي تهدد الكوكب”. وقد أجريت دراسات مستفيضة حول الظاهرة شملت مدناً مثل تورنتو وطوكيو وامستردام. واستنتجت الدراسات عدة عوامل لتلك الظاهرة: الكثافة السكانية العالية وتراجع حجم الغطاء النباتي، ويعد ارتفاع متوسط درجات الحرارة أهم العوامل. ويعتقد عالم البيئة وخبير الفئران البرية مايكل بارسونز أن “المناخ الأكثر دفئا يمكن أن يطيل أيضا مواسم النمو، مما يوفر للفئران المزيد من الطعام، والنباتات اللازمة للاختباء فيها”.
المهم، وأنا أتابع أخبار الغزو الفئراني للمدن تذكرت معلم اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية. وهو يقص علينا - مستمتعا في كل مرة- حكاية ضمن درس اللغة- كانت بعنوان (فأر المدينة وفأر القرية)، مختصر الحكاية أن فأر المدينة حل ضيفا على فأر القرية، ثم حل صاحب القرية ضيفا على صاحب المدينة. والخلاصة أن كل منهما لم يستسغ الحياة في موطن الآخر. والشاهد في الحكاية ان الفأرين اتفقا ضمنا على احترام كلّ لطريقة ومكان حياة الآخر دون أن ينتقص ذلك من علاقة الصداقة بينهما.
ثم عرجت بي الذكريات على الفيلم الكندي (Deadly Eyes)، وقد شاهدناه في دور العرض (لما كان معانا دور للعرض) في ثمانينيات القرن الماضي. الفيلم من انتاج نفس الفترة. المثير أن أحداث الفيلم تبدأ في مهاجمة سكان مدينة تورونتو وتلتهمهم. لكن المفارقة أن تورنتو نفسها تعرضت مؤخرا لهجوم الفئران. قصة الفيلم دارت حول انتشار وباء من الجرذان التي نمت لأحجام ضخمة واكتسبت شراسة غير عادية بعد تناول حبوب ملوثة.
كنت منذ فترة ألاحق حياة الفئران. وبدأت تبرز عندي أسئلة من قبيل لماذا تستوطن الفئران في البيوت؟ وفي البيوت المهجورة، ولماذا مثلا تفر هذه الفئران من تلك البيوت؟ ولماذا تجد الفئران ملاذات آمنة في السفن؟ وكيف تشعر بأن تلك السفن عرضة للغرق فتقفز منها؟ وهل تحدث ضجيجا عن هروبها المخزي ذلك بعد أن تعيث فسادا في البيئة التي استوطنتها؟
هناك إجابات: منها أن الفئران تسكن البيوت المهجورة حيث الدفء والمخبأ وتعدد منافذ الهروب، وتسكن البيوت الآهلة حيث الزوايا والشقوق والمطابخ العامرة ببقايا الطعام. وكذلك توفر السفن والمراكب نفس الظروف. فالسفن كثيرة الشقوق والسراديب -مثلها مثل السياسة- والمخازن المليئة بالغذاء والمؤن وهي إلى ذلك كثيرا ما تكون بعيدة عن الصيانة لفترات طويلة، هذا الأمر يوفر لها وضعا مريحا للغاية يجعلها ترتع وتلعب بأريحية مبالغة جدا. وهي في كل الأحوال في مأمن من العوامل الجوية والحيوانات المهددة لحياتها.
ولكن لماذا تهرب الفئران من مخابئها؟؟
إذا فقدت الفئران مصدر الغذاء الكافي برغم كل حفرياتها وتخريبها فإنها تهرب. والفئران تشعر بالغرق بمجرد بدء تسرب المياه إلى قاع البنى والسفن وبهذه الناحية فهي تشعر بالخطر قبل البشر. وإذا تعرضت للضوء فهي تهرب لأنها لا تستطيع عملها تحت أشعة الشمس. والنظافة الشاملة تدفعها للهرب، إلى جانب تعرضها للروائح النفاذة لأنها بطبيعتها مجبولة على العفن.
يقول فيل ميريل المتخصص الكندي بمكافحة الفئران: “يرى محبو الحيوانات أننا نزعج الفئران، وأظن أن هذا حقيقي، لكن لدينا أسباباً تبرر ذلك، فنحن نحب الفئران التي تستوطن أراضينا، مثل فئران المسك وفئران الغابات، فإذا استطاعت هذه الفئران أن تعيش في الطبيعة بعيدا عن البشر، فلن نقترب منها. أما إذا كانت تأكل طعامنا ونفاياتنا وتغزو منازلنا، فنحن لا نريدها”. إذن فمشكلتنا مع كل الفئران أنها لا تنشغل الا ببطونها وتقتحم حياتنا بالضجيج الفارغ فإذا صاح الديك غادرت السفينة.
سؤال محير: الفئران كائنات خبيثة تستشعر الخطر قبل حدوثه، ولا تمل الضجيج منذ بروزها في المشهد وحتى هروبها مذعورة أو مزهوة، فلماذا لا تصمت بعد الهروب؟؟؟
