يقول الأديب والمفكر عباس محمود العقاد “الكل حكيم ما دامت القصة ليست قصته”، وهي عبارة تختصر تجربة إنسانية عميقة تتكرر في كل زمان ومكان.
في ظاهرها تبدو جملة عابرة، لكنها تحمل نقدًا دقيقًا لطبيعة الإنسان؛ إذ يميل إلى إبداء الحكمة وإصدار الأحكام حين يكون بعيدًا عن دائرة الحدث. فحين نقف موقف المتفرج، يسهل علينا تقديم النصائح، وتحليل المواقف، بل والتظاهر بالاتزان. لكن ما إن نصبح جزءًا من القصة، حتى تتغير نظرتنا، وتضطرب أحكامنا، ونكتشف أن ما كنا نظنه بسيطًا، لم يكن كذلك.
تكشف هذه المقولة الفارق الكبير بين الحديث عن التجربة وخوضها. فالكلام عن الصبر يختلف تمامًا عن معايشة الألم، والحديث عن الحكمة في اتخاذ القرار يتبدل حين يجد الإنسان نفسه في مواجهة ظرف معقد تتداخل فيه العواطف والضغوط. عندها، تسقط الصور المثالية، وتظهر حقيقة النفس كما هي.
كما تحمل العبارة رسالة أخلاقية مهمة، تدعونا إلى التواضع في الحكم على الآخرين. فكثيرًا ما ننتقد تصرفات غيرنا، ثم نجد أنفسنا في الموقف ذاته، لنكتشف أن الواقع أعقد من الشعارات، وأن التجربة تمنح فهمًا أعمق وأكثر إنصافًا. فالحكمة الحقيقية لا تكمن في كثرة الكلام، بل في القدرة على الفهم والتعاطف.
ومن جانب آخر، تؤكد المقولة أن التجربة هي المعلم الأصدق. فالحياة لا تفهم من بعيد، بل تدرك من خلال المعايشة. وما يبدو واضحا من الخارج، قد يخفي تعقيدات لا تظهر إلا لمن يعيش التفاصيل. لذلك، كلما خاض الإنسان تجارب أكثر، أصبح أكثر وعيًا، وأقل اندفاعًا في إصدار الأحكام.
وفي هذا المطاف، تضعنا كلمات العقاد أمام حقيقة صريحة بأننا لسنا حكماء كما نظن، بل نصبح كذلك حين ندرك حدود معرفتنا، ونعترف بأن لكل إنسان ظروفًا وخفايا لا نراها. عندها فقط، تتحول الحكمة من مجرد كلمات تقال، إلى وعي يعاش وسلوك يترجم في مواقف الحياة.
