تنويه: يمثل هذا المقال صياغة عربية منقحة وموسعة للرؤية الاستراتيجية التي طرحها الكاتب في مقاله المنشور باللغة الإنجليزية في مجلة Eurasia Review بتاريخ 1 مايو 2026، مع ربطها بتطورات المشهد الإقليمي.
كشفت الحرب الخليجية الأخيرة أن التهديد لم يعد عسكريًا فقط، بل بات مرتبطًا بهشاشة البنية الجيو-اقتصادية للطاقة والمياه معًا. وفي قلب هذه المعادلة تبرز حوف اليمنية كمفتاح محتمل لإعادة رسم أمن الخليج والاقتصاد العالمي.
ظل مضيق هرمز لعقود الشريان الرئيسي للطاقة العالمية، لكنه بقي أيضًا أخطر نقطة اختناق في الاقتصاد الدولي، حيث يكفي تهديد محدود لرفع أسعار الطاقة وإرباك الأسواق.
ومن هنا، لم يعد السؤال كيف نحمي هرمز وباب المندب فقط، بل كيف نبني مستقبلًا لا يعود فيه الاقتصاد العالمي رهينة لاختناقات هذين الممرين.
من الاختناق إلى إعادة هندسة الأمن
شكّل خط الأنابيب السعودي شرق-غرب إلى ينبع خطوة مهمة لتخفيف الضغط عن هرمز، لكنه نقل جزءًا من الاعتماد إلى البحر الأحمر وباب المندب. وبذلك جرى تخفيف الاختناق دون تجاوزه.
فالأزمة لم تعد أزمة موارد بقدر ما أصبحت أزمة مسارات، ولم يعد الدفاع عن الممرات وحده كافيًا، بل بات المطلوب بناء بدائل استراتيجية تعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للأمن الخليجي.
حوف و«أسترا»: شريان العرب الاستراتيجي
في أقصى شرق اليمن، وعلى سواحل بحر العرب المفتوحة مباشرة على المحيط الهندي، تقع حوف التي قد تمثل أحد أهم مفاتيح إعادة رسم الأمن الخليجي، بما توفره من منفذ يتجاوز هرمز وباب المندب معًا.
ويمثل مشروع «أسترا» (ASTRA Pipeline) تصورًا لممر عربي متكامل ينطلق من شرق السعودية نحو حوف، ولا يقتصر على النفط وحده، بل يشمل الغاز الطبيعي وربما مستقبلًا المياه المحلاة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد أنبوب، بل بمنظومة استراتيجية تعيد تشكيل أمن الطاقة والأمن المائي ومرونة الاقتصاد الخليجي.
وإذا كان العالم قد نجح قبل أكثر من سبعة عقود في إنشاء «التابلاين»، فإن مشروع «أسترا» يبدو اليوم أكثر قابلية للتحقق، في ظل التطور الكبير في تقنيات الأنابيب والطاقة وأنظمة الضخ والقدرات التمويلية الخليجية.
كما أن العلاقات الوثيقة بين المملكة العربية السعودية والحكومة الشرعية اليمنية توفر أساسًا سياسيًا أكثر ملاءمة، خصوصًا وأن المهرة وحوف ظلّتا طوال سنوات الحرب خارج نطاق الصراع المباشر.
والأهم أن المشروع لا ينبغي النظر إليه كنتاج مؤجل لما بعد الاستقرار، بل كجزء من صناعة هذا الاستقرار نفسه. فالاختناق الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد، بل في هشاشة المسارات. ومن هنا، قد يمثل «أسترا» انتقالًا استراتيجيًا من إدارة الأزمات إلى هندسة الصمود الجيو-اقتصادي طويل الأمد.
الطاقة والمياه: البنية المزدوجة للصمود
تكمن إحدى أهم مزايا «أسترا» في أنه لا يمثل فقط ممرًا بديلًا للطاقة، بل يفتح الباب أيضًا أمام إعادة تصميم الأمن المائي الخليجي. فدول الخليج تعتمد بصورة كثيفة على منشآت تحلية ساحلية عالية التركّز، بينما توفر سواحل حوف مزايا إضافية تشمل بيئة بحرية أكثر انفتاحًا وملوحة أقل نسبيًا وإمكانات تطوير مراكز تحلية استراتيجية.
وبذلك يتحول المشروع إلى ممر أمني مزدوج يجمع بين الطاقة والمياه، بما يمنح الخليج مرونة أكبر في مواجهة أزمات المستقبل.
اليمن: من ساحة أزمة إلى محور حل
تكشف هذه الرؤية أن استقرار اليمن ليس ملفًا أمنيًا محليًا فقط، بل ركيزة في الأمن الجيو-اقتصادي الخليجي والدولي. ومن هنا، فإن الاستثمار في استقرار اليمن يصبح جزءًا من حماية أمن الخليج وتأمين الطاقة وبناء مرونة المياه الإقليمية.
من حماية الممرات إلى صناعة الجغرافيا الجديدة
في ظل تصاعد التوتر مع إيران، وهشاشة هرمز، واضطراب البحر الأحمر، قد يكون الخليج أمام لحظة تاريخية فارقة، حيث لم يعد التحدي حماية الجغرافيا الموروثة فقط، بل صناعة جغرافيا استراتيجية جديدة.
ومن هنا، قد يمثل مشروع «أسترا» عبر حوف تحولًا من الدفاع عن الاختناق إلى بناء شرايين استراتيجية تتجاوزه.
الخلاصة
لم يعد السؤال الحقيقي كيف نحمي هرمز وباب المندب؟ بل كيف نبني منظومة تجعل أمن الخليج والطاقة والمياه أقل عرضة للاختناق والابتزاز الجيوسياسي؟
وهنا، قد يتحول مشروع «أسترا» عبر حوف إلى أحد أهم المشاريع العربية القادرة على إعادة رسم معادلة الأمن الخليجي والعالمي في القرن الحادي والعشرين.
