دخل العالم مرحلة اضطراب عنيف غير قابل للترويض بالعلاج الموضعي. فالحرب الجديدة قد لا تكون هي حل عقدة الذروة الأخيرة في المشهد الكوني العام. الحرب من حيث هي تحدٍّ تفرضه المسيحية الصهيونية، أظنها لن تكون محصورة بزمنها الحالي. يدور صراع اليوم حول (هرمز)، يتصارع العالم كله حوله، الكل ينوح بطريقته، إلا العرب لا يعنيهم هذا المضيق.
لقد سبق القول إن الولايات المتحدة لا تحارب فقط خصومها، ولكنها بنفس الوقت توجه ضربات مؤلمة حتى لحلفائها شرقا وغربا. وهي إذ تفعل ذلك تشعل حمى التناقضات بين الدول في منطقتنا أو حتى في أوروبا.
لماذا مثلا يشكر الرئيس الأمريكي بعض دول المنطقة لمشاركتها الفاعلة في حربه ضد إيران، بينما تلك الدول تنفي أي علاقة لها بالحرب؟؟
هناك ترابط وثيق بين جميع الصدامات الدولية، خيوط غير مرئية تربط بين بؤر الحروب تلتف حول الصين وتايوان واليابان، لتمتد على شكل أفعواني نحو الهند وباكستان وتركيا فأوكرانيا.
تتجمع كل هذه الخيوط في كرة شديدة الكثافة واللزوجة كأنها الزئبق في مراوغتها عصية على الإمساك. حصاد جزئي مُر لحرب الأربعين يوما. توقفت إمدادات الطاقة البالغة 20 % من الإجمالي العالمي لها والمارة عبر مضيق هرمز. كانت الصين والهند أو الضحايا المخطط استهدافهما من جانب الولايات المتحدة، لماذا؟؟؟
لأن الولايات المتحدة وصفت الصين منذ مدة طويلة بأنها تحدٍّ استراتيجي، بل وذهبت بعض الأحيان لتصنيفها عدوا وخطرا على الأمن القومي الأمريكي. الأمن القومي مفهوم فضفاض للغاية، يمكن أن تندرج تحته كل المجالات الحيوية وغير الحيوية. القضية الجوهرية التي تحرك الدوافع الأمريكية حدة المنافسة الصينية لها على مختلف المستويات العلمية والتقنية والاقتصادية أفقيا وراسيا وجيوسياسيا. في زمن الحرب الباردة لم تكن أنياب الصين قد نمت بعد وظنتها أمريكا لن تنمو.
ومع أن الولايات المتحدة تعتبر الهند شريكا موثوقا لها في مواجهة الصين، إلا أن ذلك لم يشفع لها من تأثيرات الحرب، وهي أيضا مقصودة بسبب المعدلات الاقتصادية الإيجابية التي تحققها الهند والتي بلغت العام الماضي 8.2 %، وتيرة النمو المتسارع هذا يشكل قلقا متزايدا وتهديدا ملموسا للمصالح الأمريكية، خاصة في المجالات العلمية وقطاع التكنولوجيا والتجارة السلعية. ولهذا فإن زرع صعوبات طاقوية لفرملة السرعة الاقتصادية الهندية هدف مرغوب التحقيق.
تريد أمريكا حرمان الصين وإيران من ثمار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة عام 2021، التي تنص على أن تقوم الصين وفقا لها باستثمار 400 مليار دولار، بينما تقدم إيران بالمقابل إمدادات نفطية مخفضة وتأمين وصول صيني للخليج. يكون من نتائج ذلك تخفيف حدة العقوبات الأمريكية وإدماج إيران في مشروع (الحزام والطريق)، إلى جانب التعاون الدفاعي والأمني والعلمي. وهكذا لا نستغرب من التسريبات التي عن الدعم الصيني لإيران في الحرب الحالية.
الأمر لا يتوقف هنا. فقد دعت الصين اليابان الشهر الماضي، في لهجة حازمة، إلى تصحيح أخطائها حيال الصين. حيث قال المتحدث باسم الخارجية الصينية - تعليقا على تقارير استخبارية أمريكية تحدثت عن تغيير في الموقف الياباني من تايوان وواحدية الصين. وإنها هددت باستخدام القوة ضد الصين، في استدعاء لما حدث في القرن الماضي، لكن صين اليوم مختلفة.
مرغوب أمريكيا أن يصبح الحلفاء ضحايا لهذه الحرب المرشحة للاشتعال، فقد تخلقت أزمة طاقة في أوروبا على شكل ارتفاع في أسعار الغاز تزيد عن 70 %، ما ضاف 22 مليار دولا لكلفة استيراد الغاز. على أنه لا يمكن الجزم أن الدول الأوروبية قد تخلفت عن الزحف الصليبي لترامب بصورة قطعية. بل العكس هو الأصح. فأوروبا تمارس لعبة الخداع الاستراتيجي وموازنة المصالح، وإلا لما اجتمعت 40 دولة للنظر في مسألة مضيق هرمز ملوّحة بالعقوبات وليس بإنهاء الحرب. أما حلفاء الشرق فقد رأينا ما حل بهم، وغدا ستغدو النتائج الاحصائية متاحة للجميع. وهكذا تتجمع خيوط كل شيء حول الطاقة والنفوذ وقطعة الخبز كثمرة نهائية لكل شيء، هي يرتعب العالم لها. إلا حربنا نحن ليس لها أثر على أحد غيرنا. هي مجرد تفصيل جانبي يفوته المشاهد في دراما شديدة التعقيد.
