صبرتم ونلتم، هكذا فقط أقول للذين تمنوا الحرب. وليس الحرب ما كنتم قد علمتم، ولكنها ما الآن ذقتم. لعمري حرب الآن تختلف عنها ضد العراق. العراق وفي خضم العدوان الأمريكي الأطلسي التي استدعيتموها عليه كأنها “عملية جراحية دقيقة” لم تمسكم بسوء. ما كان ذلك الموقف بخوف من صدام على ما أظن، بل لأنه ربما أحس وعلم أن الخسارة ستكون من نفس البيت.
اليوم الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجديدة وهي تدلف يومها الثامن العشرين، يجد الأعراب أنفسهم في وضع نقيض لما كانوا عليه عام 2003. إيران لن تترفق بأحد تعتقد أنه يشارك في الحرب ضدها، لأنها ببساطة ليست العراق. إيران تبني قراراتها على التحدي وعلى المنطق الصوري “صديق عدوي عدوي” بالضرورة، إضافة إلى وجود القواعد العسكرية الأمريكية والغربية في بعض دول المنطقة يعزز شعورها بذلك.
في هذه الحالة يجد الأعراب أنفسهم في مأزق حقيقي غير ما كان عليه الوضع مع العراق. فلا هذه الدول تستطيع الانخراط في الحرب ضد إيران ولا هي في وضع يجعلها قادرة على صنع حربها الخاصة. ففي الحالة الأولى، إن هي انخرطت إلى جانب حليفتها أمريكا ستجد نفسها في تحالف مباشر مع إسرائيل، وهذا من شأنه إثارة الرأي العام الإسلامي وربما العربي أيضا. وفي الحالة الثانية، إن قامت هذه الدول مجتمعة أو منفردة بشن حربها الخاصة، على افتراض أن لديها الإرادة المستقلة والقدرة على فعل ذلك. لكن يتوفر أساس للشك أن الحليف الأمريكي سيقبل بمعادلة كهذه خوفا من التشويش على جوهر الحرب “الملحمية” الأمريكية الإسرائيلية والتقليل من شأن الدور الإسرائيلي الذي يفوق عمليا ما تقوم به الولايات المتحدة. وفي كلتا الحالتين ستكون تلك الدول في مرمى الرأي العام.
لقد قلت قبل نشوب هذه الحرب أنها ستكون مختلفة، وقلت بالحرف “حرب الـ 12 يوما كانت مجرد بروفة تحضيرية لحرب قد تكون أعنف وأشمل بدأتها إسرائيل وساندتها أمريكا. أما الحرب القادمة فستكون بهجوم أمريكي إسرائيلي متزامن على إيران. إيران من جانبها ستكون مستعدة لكل سيناريوهات المواجهة، وبالتالي لديها بنك للأهداف الأمريكية والإسرائيلية مرتبة حسب الأقرب فالأقرب، بما يعطل فعالية الهجوم والسلاسل اللوجستية المساندة أو يحدث خسائر موازية في المنطقة الحليفة”.
في كل مرة نكرر نفس الجملة “حرب إسرائيل في فلسطين لم تكن حربنا، وليس بيننا وبين إسرائيل عداوة”، وليت أن هذه الجمل قيلت من قبل بعض العوام، ولكنها للأسف جاءت كذلك على لسان شخصيات سياسية وأكاديمية وازنة في المنطقة، وظلت تتكرر مع كل عدوان وتعميق الاحتلال وترافقت كذلك مع حرب الإبادة على غزة. وهي ستظل تتكرر دائما، ولكن ليس فقط على ما يخص فلسطين، على المنطقة العربية بأكملها حتى يكتمل المشروع الصهيوني المنتظر.. إسرائيل الكبرى.
لقد مارس ترامب الخداع الاستراتيجي على إيران ببراعة ونجح فيه، وشن هجوما مشتركا منسقا بما فيه الكفاية. هذا الهجوم، حسب حلفاء أمريكا، يفتقر إلى الشرعية الدولية كما كان الحال مع العراق. ولكنه لا يخرج عن سياق المبررات ذاتها. السلاح النووي ذريعة من لا ذريعة له. بعض العرب تقبلوا السردية الأمريكية الإسرائيلية عن خطورة البرنامج النووي الإيراني الذي يقترب بمسافة أيام لإنتاج قنبلة نووية، كما تقبلوا السردية إياها حول العراق. لا أحد يسأل عن السلاح النووي الصهيوني، ولا أحد منا يريد أن يجعله جزءاً من المقايضة.
“لماذا تمتلك إسرائيل وتنتج السلاح النووي؟”، سؤال وجه للمندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة. كيف رد ذلك السفير الذي يمثل دولة، بصرف النظر عن رأينا فيها؟
بكل برود رد السفير: “لأننا نريد السلام”.... محتل، غاصب، إرهابي يمارس الإبادة الجماعية يمتلك أكثر من مائة رأس نووي، يريد منا أن نعطيه السلام والأمان ليستعبدنا في أرضنا... ترى إذا وجه ذلك السؤال لدبلوماسي من قومنا، ما كانت إجابته؟؟؟ ولكن ومع كل المقدمات والنتائج، لماذا دائما ما تلام مصر؟؟؟
