مرّ 27 مارس، يوم المسرح العالمي، هذا العام بصمتٍ مؤلم، وكأن المناسبة لا تعنينا، وكأنها لا تمس جزءًا أصيلًا من ذاكرة عدن والجنوب وتاريخهما الثقافي والمدني.
لا فعالية تُذكر، لا احتفاء يليق بالمناسبة، لا حضور من الجهات المختصة، ولا حتى استحضار رمزي لقيمة المسرح في حياة الناس وفي تكوين الوعي العام.
وهنا لا نتحدث عن مناسبة هامشية أو نشاط ترفيهي عابر، بل عن واحدة من أهم المناسبات الثقافية التي كانت تحتل مكانة خاصة في الوجدان العدني والجنوبي، وكانت تُعامل بوصفها حدثًا وطنيًا وثقافيًا يستحق الحضور والرعاية والاهتمام.
لقد تعودت عدن، ومعها الأجيال التي سبقتنا، أن يكون يوم المسرح العالمي يومًا استثنائيًا من كل عام، تُقام فيه الأنشطة والاحتفاليات والعروض، وتُكرَّم فيه الشخصيات الإبداعية والمسرحية، وتُنظم فيه المهرجانات والمسابقات، وتُمنح فيه الجوائز لأفضل نص، وأفضل أداء، وأفضل إخراج، وأفضل عمل مسرحي، في مشهدٍ كانت تشارك فيه المؤسسات الثقافية والمسرحية بوصفه عرسًا مدنيًا وثقافيًا يليق بمدينة بحجم عدن وتاريخها.
ولم يكن هذا الاحتفاء مجرد نشاط بروتوكولي أو ترف ثقافي يمكن الاستغناء عنه عند أول أزمة، بل كان يُنظر إليه باعتباره جزءًا من صورة المجتمع والدولة معًا؛ لأن المجتمعات الحية لا تتخلى عن الثقافة، حتى وهي تواجه أصعب الظروف، بل تتمسك بها بوصفها إحدى أدوات البقاء والمعنى والمقاومة.
ومن يعرف تاريخ هذه المناسبة في عدن والجنوب، يدرك جيدًا مدى المكانة التي كان يحظى بها المسرح في الوعي العام والرسمي.
فالمناسبات المسرحية الكبرى لم تكن تُترك على هامش الحياة العامة، بل كانت تُقاوم وتُصان بحضور رأس السلطة نفسه، في دلالة واضحة على أن المسرح لم يكن فنًا ثانويًا، بل مكونًا من مكونات الهيبة الثقافية للدولة والمجتمع.
ويُروى، في هذا السياق، أنه في عام 1980م جرى اعتماد أن يفتتح المهرجان عبد الفتاح إسماعيل، وأن يُختتم بحضور علي ناصر محمد، في رسالة سياسية وثقافية عميقة المعنى، مفادها أن المسرح مناسبة ذات أهمية عليا، لا يجوز أن تُلغى أو تُهمَّش، حتى في أصعب الظروف.
وهذا وحده يكفي ليدل على حجم التقدير الذي كانت تحظى به الثقافة، وحجم الفارق بين زمنٍ كان يرى في المسرح قيمة وطنية، وزمنٍ صار يمر فيه يوم المسرح العالمي بلا اكتراث.
إن الحديث عن المسرح هنا ليس حديثًا عن الخشبة فقط، ولا عن الستارة والديكور والإضاءة، بل عن المعنى العميق الذي يمثله المسرح في حياة الأمم.
فالمسرح هو مرآة المجتمع، وهو فضاء النقد، ومنصة الوعي، ومدرسة الذائقة، وأحد أهم أدوات تهذيب الحس العام، وصناعة الإنسان المدني.
