
اتفق معظم المراقبين الغربيين على أن تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران يبعث برسائل واضحة تنم عن التحدي والاستمرارية، مشيرين إلى أن النظام الإيراني اختار شخصية مقربة من الحرس الثوري لتأكيد هيمنة هذا الجهاز على مفاصل الدولة في ظل الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي هذا السياق لفتت صحيفة ليبراسيون الفرنسية إلى أن المرشد الجديد لا يتمتع بالشرعية الشعبية والمؤهلات الدينية التقليدية، معتبرة أن الحرس الثوري، الذي بارك اختياره، هو القوة الفعلية في الدولة.
والرجل الذي أصبح أعلى سلطة دينية وسياسية في البلاد يوصف حتى داخل إيران بأنه شخصية غامضة، وقد ظل تأثيره لسنوات بعيدا عن الأضواء، وفق تقرير للصحفية فرناز فصيحي في صحيفة نيويورك تايمز.
فصيحي أبرزت أن مجتبى كان شخصية نافذة في كواليس السلطة، يتولى من داخل مكتب والده تنسيق ملفات أمنية وعسكرية حساسة، مع علاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني. ويُنظر إلى تولّيه السلطة على أنه إشارة إلى تحدي الجمهورية الإسلامية لإسرائيل والولايات المتحدة، وإلى استمرارية هذا النظام خلال الأزمات.
رغم نفوذه، ظل مجتبى خامنئي قليل الظهور في العلن ونادرا ما يدلي بتصريحات، مما جعل مواقفه السياسية وشخصيته الحقيقية غير معروفة خارج الدائرة الضيقة المحيطة بمكتب المرشد.
ويصفه بعض المحللين بأنه "الرجل الذي حكم من خلف الستار"، حيث أدى دورا مؤثرا في إدارة شؤون الدولة دون أن يشغل منصبا رسميا بارزا، ويبلغ عمر المرشد الجديد 56 عاما، ويحمل لقب "آية الله". وقد اشتهر بتقديم دروس دينية في الحوزات الشيعية، لكن صعوده إلى قمة هرم السلطة أثار جدلا، إذ يرى منتقدون أن انتقال المنصب من الأب إلى الابن يفتح الباب أمام شبهة التوريث في نظام نشأ أصلًا بعد الثورة الإيرانية 1979 التي تعهدت بإنهاء الحكم الوراثي.
وأوضح المحلل السياسي مهدي رحمتي، للصحيفة أن مجتبى هو "الخيار الأمثل في الوقت الراهن، لأنه على دراية تامة بإدارة وتنسيق الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكان مسؤولا عن ذلك سابقا"، لكنه أشار، في حديث مع الصحيفة، إلى خطر زيادة الاستقطاب في مجتمع منقسم بشدة، إذ قد يكون رد جزء من الجمهور سلبيا وقويا، مع عواقب وخيمة محتملة.
واعتبرت صحيفة تلغراف البريطانية أن تعيين مجتبى رسالة تحدٍّ واضحة لواشنطن، ويعكس تمسك النظام بخيار المواجهة، وقال الكاتب بالصحيفة ديفيد بلير إن السلطة إذا تم نقلها دون انتفاضة شعبية، فقد يعني ذلك أن نتيجة حرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب هي بقاء النظام الإيراني تحت قيادة أكثر تطرفًا وعنادًا، وربما قيادة ترى في السلاح النووي السبيل الوحيد لضمان قبضتها على السلطة.
وأضافت أن اختيار مجتبى خامنئي يمثل تحديا مباشرا لواشنطن، ويعكس التمسك بخيار المواجهة في توقيت حساس من الحرب.
من جانبها، ترى كاثرين فيلب في صحيفة تايمز اللندنية أن صعود مجتبى خامنئي يعكس تقدّم النهج الأمني والعسكري داخل النظام على حساب النفوذ الديني التقليدي، وأن الحرس الثوري لا يزال صاحب الكلمة العليا في إيران، مما يجعل أي تسوية مع الغرب أكثر صعوبة.
وتشير إلى دور مجتبى، حسب زعمها، في قمع الاحتجاجات الداخلية، وخاصة خلال احتجاجات 2009، وإلى تعزيز التوجه نحو "مستقبل أكثر عسكرة للنظام"، مع استمرار نهج والده رغم التناقض مع أحد مبادئ الثورة الإيرانية وهو رفض التوريث.
وبدوره أكد تقرير بصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن اختيار المرشد الجديد يعكس استمرار سياسة "المقاومة في الخارج والقمع في الداخل"، مع هيمنة المتشددين على مفاصل الدولة، مبرزا أن التعيين أعقبه إطلاق إيران موجة صواريخ باتجاه إسرائيل، وإعلان الجيش والحرس الثوري ولاءهما للمرشد الجديد، في خطوة يراد منها إظهار تماسك النظام رغم الحرب.
من جهة أخرى، سلطت افتتاحية ليبراسيون الفرنسية الضوء على غموض شخصية مجتبى خامنئي، معتبرة أن تعيينه يجمع بين الاستمرارية الداخلية والتحدي الخارجي، فقد ظل المرشد الجديد بعيدا عن الأضواء لكنه بنى نفوذه في كواليس السلطة، وعلاقاته الوثيقة بالحرس الثوري تجعل منه الخيار الذي يضمن استمرار النظام، حتى في مواجهة الاحتجاجات الداخلية والتهديدات الخارجية، على حد قولها.
باختصار، يعكس تعيين مجتبى خامنئي مزيجا من الاستمرارية السياسية داخليا، والتحدي العسكري والدبلوماسي خارجيا، مع بقاء شخصية المرشد الجديد غامضة بالنسبة للرأي العام، لكنه مؤثر بقوة في رسم سياسات الجمهورية الإسلامية خلال مرحلة حرجة تمر بها إيران على الأصعدة الداخلية والخارجية.
