الحياة الاجتماعية في عدن قبل 100 سنة.. صور من ذاكرة هذه المدينة

- هذه الوثيقة تقدم عدة صور لواقع الأسرة في هذه المدينة وهي تعد من المراجع التاريخية في هذا الجانب
- الكاتب يسعى لنقد بعض الظواهر التي يرى فيها من مسببات التأخر في المجتمع
- الكثير مما يطرح هنا يرسم لنا الجغرافيا النفسية لأهل عدن
- بعض أزمات ذلك العهد مازالت تلقي نفسها على مجريات اليوم وكأن المشاكل تعيد إنتاج نفسها مع فروق الأزمنة
عدن / 14 أكتوبر/ خاص:
نجمي عبدالمجيد :
هذه الوثيقة هي من الحالات القليلة في التاريخ الثقافي لعدن، فهي تنحو نحو تلك الجوانب التي تظل بعيدة عن أقلام التدوين لمعالم من الحياة الاجتماعية تصبح فيها شاهدة على حقب مضت ولم يبق منها في وعي الذاكرة إلا ما حفظ على ورق المطابع.
هذه السردية الأدبية لكاتب له الكثير من الاسهامات في عالم الصحافة والمؤلفات وظل لحقب من الزمان من مرجعيات تاريخ عدن وممن اسهموا في كتابة هوية مدنية لم تكن تقف حدودها عند بصمات الماضي بل هي حاضرة في راهن كل وقت من حركة الأحداث.
وما يعطي لموضوع حمزة علي لقمان هذا الحضور في الذاكرة العدنية هو أسلوبه في نقل ما كان من حال البيت العدني قبل قرن من الزمن إذا تم قياس المسافة منذ عام كتابة هذا الموضوع حتى يومنا هذا.
أجيال كانت هنا وذهبت، كما غابت الكثير من معالم تلك الحياة التي تعايشت في المنزل والشارع، وأوضاع لها من عبق تلك المراحل نشعر بكيانها يتحرك عبر كلمات وسطور كان للتدوين دوره في عدم ذهاب هذا التاريخ نحو غياهب النسيان. لكن ليس كل ما جاء في تدوين المؤرخ حمزة علي لقمان أسيراً للماضي، بل هناك مازال منه في يومنا هذا وكأن البيت العدني لم يفقد روح ماضيه كلها، بالرغم من تغير الواقع وصور المكان ونوع الانسان. وكأن عدن مازالت تتمسك بتلك الرائحة من زمانها الأثير. وما تركه لنا حمزة علي لقمان في كل سطر من تاريخ عدن يظل من حنين الذكريات.
كانت محاضرة القيت في مخيم أبي الطيب في 5 مارس 1943م، وبعدها في جمعية الأدب والمناظرة في المعهد البريطاني في 24 ديسمبر 1943م.
يقول الكاتب في تلك السردية: (البيت العدني لم يتطور منذ بدء انشائه إلا قليلاً أي منذ أكثر من مائة سنة وربما قال قائل ان كثيراً من الاثاث والأدوات الحديثة حلت محل القديمة منها وان البيت العدني آخذ في التطور.
فأقول نعم ان كثيراً من الاثاث والأدوات الحديثة اكتسحت البيوت العدنية وحلت محل القديمة منها، ولكنها مع الأسف الشديد كما قالت لي أوروبية أمضت أعواماً طويلة في عدن من ان البيت أشبه بحانوت اثاث منه إلى بيت خصص للسكن والإقامة.
وهذا قول مؤسف، ولكنا لا نستطيع ان ننكره ولو نحن نظرنا إلى حالتنا البيتية بتمعن لوجدنا النظام والترتيب منعدمين، والذوق السليم ليس له وجود البتة، والألوان الصارخة مازالت متفشية طاغية وتكديس الاثاث في غرفة لا تزيد مساحتها على 15 قدماً طولاً ومثلها عرضاً اصبح من متطلبات المدنية التي فهمناها عكس ما يجب ان نفهم.
فنحن نحشد الاثاث المختلفة حشداً في الغرفة الواحدة، ويجد الداخل لها سرر النوم وخزانات الثياب وطاولة الكتابة وأدوات الزينة والكراسي حتى تصبح تلك الغرفة تئن وترزح تحت ما ألقي فيها.
فتزيين رفوف النوافذ والأبواب بالأكواب والصحون وأصص الزهر الخالية من الزهر أمر لابد منه في نظر ربة البيت العدنية، وتصبح نتيجة هذا الحشد ان تكون الغرفة هي غرفة النوم وغرفة الاستقبال وغرفة المائدة وغرفة المكتبة، وبوضع أواني المطبخ وتزيين الرفوف بها اضيف غرفة حفظ أواني الطبخ.
يتألف البيت العدني غالباً من طبقة واحدة وطبقتين وطبقات ثلاث، ويسكن ذات الطبقة الواحدة الفقراء والعمال ويحتوي الواحد منها على غرفة واحدة تسمى المنظرة أو المخزن، ويحتوي البيت كذلك على مطبخ ومرحاض وفناء. وسأحاول ان اصف لكم هذا النوع من البيوت التي نسميها القاعي.
يتألف البيت القاعي عادة من غرفة كما قلت تحتوي على سرر للنوم وناموسية. وهذه نجدها في كل بيت عدني أكان صاحب البيت فقيراً أم غنياً ولا ينام على هذه الناموسية أحد لأنها تكون عادة مفروشة نظيفة لا يجلس عليها إلا الزئرات يسمين المواتيات.
ولهذا السبب تتعمر الناموسيات في عدن. ونجد في الغرفة الكراسي القصيرة المحبلة، التي تشد بالحبال لتكون مقعداً يجلس عليه المرء.
ويجلس عليها عادة الزائرات من العجايز اللاتي لا يستطعن ان يرفعن أنفسهن للجلوس على الناموسيات، وإذا كان لرب البيت كثير من الأطفال فلابد عند ذاك من وجود سرر صغيرة، قعايد تحت السرر الكبيرة لنومهم. وربما ينام في تلك الغرفة عدد قد يبلغ 12 نفساً وربما أكثر. أما إذا كان الوقت صيفاً فانهم يخرجون سرر الذكور إلى الشارع حتى يخف الضغط وليحصلوا على الهواء النقي وتكون هذه الغرف عادة شديدة الرطوبة.
ويختلف الفناء، الدارة عن بعضها في أغلب هذه البيوت فالتي تقع تحت البيوت العالية نجدها مظلمة لا تنفذ إليها أشعة الشمس ولا يدخلها الهواء النقي إلا من نافذة أو اثنتين تشرفان على المزابل!
وتستعمل هذه الأفنية للجلوس فيها وللنوم ولخزن الأثاث القديم ولغسيل الثياب ونشرها ولوضع الخطب والفحم وغيرها. ولا يفصل المطبخ عن المرحاض إلا حاجز قصير).
يتحرك قلم الكاتب في هذا الوصف في اطار جغرافية البيت العدني. وهو لا يرسم شكل المكان بل نوعية النفس التي تسكن عدن في اطوارها المختلفة.
لكن هذا النوع من البيوت القديمة مازال موجوداً في عدن حتى الآن، وان اختلفت بعض التفاصيل في الوقت الراهن عما كان في الماضي.
ومما يطرحه الأستاذ حمزة علي لقمان في أسلوبه الراصد لواقع الحال في البيت العدني:
ما يقدمه لنا عن اسهامات المرأة العدنية في الاقتصاد المنزلي، يذكر بعضاً من تلك الأعمال ومنها الخياطة والتطريز والنسالة وايضا عمل مناديل حق رأس للنساء مطرزة وموشاة، والكوافي وغيرها من الاعمال التي لها صلة بالخياطة.
كذلك تقوم بعضهن بطبخ عدة أنواع من المأكولات كي تبيعها في الأسواق والتي لها عند العامة من الناس في عدن إقبال ومن هذه الأنواع: الباجية (الطعمية) والسمبوسة والمعبل والخمير الحالي (المقصقص) والمطبق والجبيز والزعقة واللحوح والكعك والفاصوليا والملبّس وغيرها.
ومنهن من تقوم بصناعة الحبال والمسارف والمكانس المنزلية ومراوح اليد وسجادة الصلاة والهدم وهذه الأعمال تصنع من سعف النخيل الذي يأتي إلى عدن من المناطق المجاورة لها حيث يكثر فيها اشجار النخيل مثل الشيخ عثمان ولحج وغيرها.
هناك أعمال اخرى كانت تقوم بها نساء عدن وهي مازالت باقية حتى اليوم في البيوت ومرافق العمل وهي مهنة الدلالة (السمسرة) وتدخل فيها عملية بيع الأقمشة والتواليت والعطر والبخور والصابون ولبعضهن دلالات يساعدنهن في القيام بزيارات البيوت وعرض بضائعهن النسوية.
يعمل المؤرخ حمزة علي لقمان على نقد ظواهر يرى فيها من أمراض المجتمع وهي مازالت حتى يومنا هذا تسكن في عقول البعض في هذه المدينة وهو يقول هنا: (السخافات: وهناك مسألة اخرى احب ان اذكرها لكم هي من الأسباب التي تؤدي إلى سوء التفاهم بين الرجل والمرأة، وهذه المسألة هي مسألة ادعياء الطب المعروفين بالسادة والمشايخ واللي يفتشوا الكتاب، والسيد الأعجم.. ولهؤلاء تأثير كبير على عقول النساء وهم عند كثيرات أفضل من خريج اكسفورد وبرمنجهام وادنبرة وهامبورج وغيرها من عواصم الطب!
فلو مرض شخ في إحدى العائلات رأيت النساء يتحدثن عن الشيخ فلان والسيد علان ويفاضلن بين هذا وذاك، ويحتدم النقاش بينهن على من يكون الطبيب بينما يكون المريض طريحاً في فراشه يعاني اشد الآلام مما ألم به.
وعندما ينتهي النضال بين النسوة من أهل البيت والجيران يقترحن على أحد الدجالين المسيطرين على عقولهن يؤتي به لمعالجة المريض، وعلى الرغم من حدوث عدة حوادث مؤلمة أدت إلى الموت أحياناً فان سلطة هؤلاء مازالت باسطة سيطرتها على نسائنا).
كذلك يطرح علينا قضايا الزواج والطلاق في البيت العدني وما كان من الأزمات والمشاكل في تلك المرحلة وهي في الحضر مازالت قائمة مع اختلاف ظروف الأزمنة.
في هذا الجانب يرى أن من أسباب تأخر البيت العدني هو بقاء الزوج وزوجته بين الوالدين والأقارب.
لأن بقاءهما عند أسرة الزوج بين النساء والأطفال ورجال مثل الأب والجد والأخوان، لابد أن يجعل الخصام والشحناء والغيرة متمكنة لا سبيل إلى القضاء عليها إلا بالخروج إلى بيت مستقل لهما. لأن حالات الطلاق تكون ناتجة عن هذا الاضطراب في الجو الأسري.
أما قضايا تربية الاطفال وما كان منها في تلك الحقبة فهو يذهب في طرحه إلى نقد ظواهر سلبية لها من التأثير على نفسية الأولاد ربما تظل مرافقة لهم حتى حين يكبرون، وتنقل هذه السلبيات إلى اجيال اخرى تأتي بعدهم، وهنا يدخل إلى عمق عقلية المرأة العدنية والتي كانت اساليبها في تربية اطفالها صورة من الاوضاع الاجتماعية والنفسية التي مرت فيها وهو يقول: ( ولكني احب أن اذكر شيئاً عن حالة الطفل العدني وصراعه الدائم المتواصل مع البوبوح، البعبع والمكحل بالدقيق والجبرتي وأبو القلية واللوز وأبو شملة وغيرهم.
والمرأة العدنية تعتقد اعتقاداً راسخاً أن تخويف طفلها بهذه الشخصيات الخيالية التي لا وجود لها خير تربية لاصلاحه وتقويم اخلاقه وإرشاده، فهو إذا رفض أن ينام عمدت إلى تخويفه قائلة له: إن كان ما ترقدش با أصيح للبوبوح!
وتخويف الأطفال بالجبرتي وابو القلية واللوز في ليالي صفر وخطفهم إلى القلعة لقتلهم وصك نقود من دمائهم أمر مألوف منتشر عندنا مع الأسف! وقد ذكرت اسطورة شهر صفر جريدة فتاة الجزيزة العدنية الغراء في احد اعداد شهر مارس 1943م العدد 161 كتبها أديب تحت الاسم المستعار، عدني. وإليكم ما قاله: من الامور المؤذية في هذه البلاد انتشار اخبار اسطورة صفر فلا يكاد يحل هذا الشهر حتى يأخذ الغرباء وكثير من الجبالية واليمنية في اجتناب الخروج في الليل.
وإذا سألتهم عن السبب اجابوك: في صفر يمسكوا الأوادم.
وقد يكون حصل حادث من هذا النوع في صفر فأضيفت سيئة أخرى إلى صفر لأنه شهر نحس وآخر يوم أربعاء فيه يوم بؤس يشرب فيه الأطفال المحو، أي كتابة يكتبها أساتذة الكتاتيب في الصحون.
ومن أغرب القصص في هذا الأسبوع أن احد أهالي يافع اكد لي أنه رأى بعينه 2 جبرت و4 سوجر. (الجبرت هم الذين يجمعون القاذورات ويرمونها في البحر وهم من أصل الدناكل في افريقيا الشرقية. أما السوجر فأصلها تعريب سولجر ومعناها الجند).
في منتصف العقبة يترقبون مرور احد الناس لخطفه، ون واحداً من السادة خطف فعلاً ولكن جده خارجه).
أما عن حال الرجل في البيت العدني. فهو يطرح هذه الرؤية التي ظلت ربما حتى الآن من ازمات العلاقة الزوجية.
ومما يرى ان كثيرا من الرجال هم من ينظرون إلى البيت نظرهم إلى فندق يقضون فيه شطراً من الليل بعد أن يكونوا قد أمضوا اكثره في السهر، وكثيرون منهم يلقون نظراتهم على الزوجات وكلماتهم القاسية وكأن الزوجة حاجة للخدمة فقط.
ولا يفهمون انهم بهذه المعاملة القاسية غير الإنسانية، بل البعض قد يضرب زوجته، وعندما تواجههم بالحقيقة المرة لا يترددون في التبرير وإلقاء المسؤولية على عاتق زوجاتهم المسكينات.ربما تكون قد مرت من دورة الأيام من رحلة الزمان، اكثر من قرن على هذا الكلام. لكن ما زالت له من الأصداء في البيت العدني حتى اليوم.
وتكمن القيمة التاريخية لهذه الوثيقة، بأنها تقدم لنا احداثاً لم تعرفها اجيال جديدة في المنزل العدني حاضراً.
إن كل ما تركه لنا الأستاذ المؤرخ حمزة علي لقمان عن عدن في مؤلفاته العديدة يظل من مناهل المعرفة القادرة على تعزيز الذاكرة بما غاب عن الواقع، لذلك قيل إن الكلمات أقوى من النسيان، وهذا ما تركه لنا هذا الكاتب من معالم وصور عن عدن المدينة وأهلها.
