مجلس الشورى يناقش موضوع العدالة الانتقالية وتطبيقها في اليمن
صنعاء/ سبأ: عقد مجلس الشورى أمس الأربعاء اجتماعه الثاني من دورة انعقاده السنوية الأولى للعام 2012، المخصص لمناقشة موضوع العدالة الانتقالية وتطبيقها في اليمن، برئاسة رئيس مجلس الشورى الأخ عبدالرحمن محمد علي عثمان.وفي الاجتماع ألقى رئيس مجلس الشورى كلمة أكد فيها أهمية الموضوع الذي سيناقشه المجلس الذي قال إنه يحتلُّ مساحةً مهمةً في اهتمام النخب السياسية والفكرية والقانونية، وكل الذين يرقبون بأملٍ كبيرٍ، انتقال الوطن إلى مرحلةٍ جديدةٍ يسودها السلام والاستقرار والعيش الكريم، تأسيساً على مبدأ الوفاق السياسي الذي انتصرت له الحكمة اليمانية في لحظة مفصلية من التاريخ.ودعا أعضاء المجلس إلى إيلاء الموضوع كل اهتمامهم، لارتباطه بمتطلبات هذه المرحلة، ونظراً للحاجة إلى إيضاح مفهوم العدالة الانتقالية ووضعه في سياقه الصحيح، والنأي به ما أمكن عن الجدل والتأويلات الخاطئة، وتبيان المقاصد العظيمة للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في اليمن.ولفت إلى ما ينطوي عليه هذا المفهوم من دلالاتٍ أكثر خصوصية بالنسبة للنموذج الانتقالي في اليمن، قياساً بغيره من النماذج الأُخرى، لكونه يتعلق أَكثر ما يتعلق، بتهيئة البيئة السياسية والتشريعية، لإصلاح وتطوير النظام السياسي، بما يضمن تجسيده الكامل لمبادئ الحكم الرشيد، ولمتطلبات العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص والسلم الاجتماعي.وقال إن جانباً من الدلالة المفهومية للعدالة الانتقالية يتصل كذلك، بطي صفحة الأزمة السياسية الطاحنة، بكل ما أفرزته من ممارسات سيئة وأضرار مادية ومعنوية، من أَي طرفٍ كان، على أَساسٍ من إنفاذ روح العدالة الانتقالية، الذي يرمي إلى إشاعة المحبة والوئام، وتعزيز روح الإخاء بين أبناء المجتمع الواحد، أكثر من كونه مناسبة لتصفية الحسابات وإذكاء الثارات.وأضاف إن اتفاق التسوية السياسية، الذي أبرمته الأطراف السياسية في اليمن، برعايةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ، قدم براهينَ قويةً على عزم اليمنيين وإرادتهم طَيَّ صفحةَ الماضي، والاتجاه صوب المستقبل، وتركيز الاهتمام على استحقاقات وأولويات بناء الوطن والعناية بموارده ومقدراته وتوفير سبل العيش الكريم لأبنائه، وهي معانٍ ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم العدالة الانتقالية .ولفت إلى الأهمية التي يكتسبها مؤتمر الحوار الوطني، المرتقب، لجهة نهوضه بالجزء الأهم من مقاصد العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.. مشدداً على أهمية حشد كلَّ الإمكانيات وحفز الإرادات الحسنة لعقد هذا المؤتمر، والعمل على إنجاحه، لأن من شأن هذا النجاح أن يخلُقَ نموذجاً انتقالياً فريداً في المنطقة والعالم، وتأسيس عهدٍ جديدٍ من الممارسة السياسية الرشيدة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتعزيز التوجهات الجوهرية للعدالة الانتقالية، وتوفر أقوى الضمانات للمصالحة الوطنية، المؤدية إلى شراكة طويلة الأمد بين مكونات المجتمع اليمني.ولفت رئيس مجلس الشورى في ختام كلمته إلى التحديات التي ما زالت تنطوي عليها هذه المرحلة بسبب عدم اندماج بعض الأطراف في العملية السياسية، ما يفرض أولويةً للجهود التي يجب أن تبذل لدمج تلك الأطراف في العملية السياسية الشاملة، بما يضمنُ حضورَ الجميع مائدةَ الحوار، ويحققَ هدفَ الإجماع الوطني حول خيار السلام، وبناء اليمن الجديد، على أساس مبدأ الشراكة الوطنية الكاملة، المنزهة عن كلّ إقصاءٍ أو تهميش.وقدمت لجنة الإعلام والثقافة والشباب والرياضة، الدراسة التي أعدتها حول الموضوع إلى المجلس، وقام بقراءتها أعضاء مجلس الشورى: أحمد محمد الأصبحي، وأحمد محمد المتوكل، وخالد عبد الله الرويشان.وتميزت الدراسة بشموليتها المعرفية لموضوع العدالة الانتقالية، من حيث هي برنامح للتحول السلمي في المرحلة الانتقالية لإنقاذ المجتمع مما تعرض له من اضطرابات وانتهاكات لحقوقه، في الفترة السابقة للوضع الانتقالي والوصول إلى مصالحة وطنية شاملة وبناء مجتمع ديمقراطي عادل.وأحاطت الدراسة بالخلفية التاريخية لموضوع العدالة الانتقالية، وبداياتها، مستعرضة أمثلة عديدة من تجارب دول عاشت هذه التجربة في شرق آسيا والبلقان وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وأخيراً العالم العربي.وأفردت الدراسة مساحة أوسع لعرض تجربة كل من جنوب إفريقيا، والمغرب، لتخلص إلى تحديد جملة من الأهداف السياسية والاجتماعية والعدلية والمؤسسية، التي يمكن أن تتوخاها العدالة الانتقالية، من أهمها: المصالحة الوطنية الشاملة للإصلاحات السياسية، وجبر الضرر، ودفع التعويضات للمتضررين، وردم الفجوات العميقة بين فئات المجتمع.كما تشمل التحقيق في الجرائم المرتكبة، وتحديد الأشخاص المسئولين عنها والجهات التي ارتكبت الأعمال المخالفة للقانون، وتحديد العقوبات، وإصلاح الخلل المؤسسي الناجم عن غياب معايير الكفاءة لشغل الوظيفة العامة، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب.وبينت الدراسة خصائص العدالة الانتقالية، من حيث استثنائيتها في التسمية والوضع والدور، وشموليتها للجوانب السياسية والتشريعية والاجتماعية والمؤسسية المدنية والعسكرية والأمنية، وإبعادها التصالحية والتوافقية وتميزها بالسرعة والحسم، وتغليبها منطق العفو والتعويض بما يجبر القلوب.وحددت الدراسة جملة من الشروط العامة الكفيلة بإنجاح مقاصد العدالة الانتقالية، فضلاً عن الشروط المتعلقة بالأشخاص القائمين عليها، وأخرى تتصل بالقضايا المراد معالجتها.كما أبانت الدراسة مراحل تطبيق العدالة الانتقالية، التي تشمل إصدار القوانين ذات الصلة، وتشكيل لجان لتقصي الحقائق، والمحاكمات، وجبر الضرر وإجراء المصالحات، وإزالة حواجز الاندماج الوطني، وإصلاح الاختلالات القانونية والمؤسسية، وصولاً إلى الوضع الطبيعي الذي تتوخاه العدالة الانتقالية.وأوردت جملة من الخيارات التي رأتها ملائمة لتطبيق العدالة الانتقالية، ومن أهمها: العفو العام، والعفو الجزئي والتجريم والمحاكمة. واستعرضت الدراسة في القسم الخاص بتطبيق العدالة الانتقالية في اليمن التجارب الوطنية وصور النضال الوطني التي أكسبت اليمنيين قوة وخبرة وقدرة على تجاوز الأزمات، ونوهت بحكمة اليمنيين وبإنجازاتهم على الصعيد السياسي والديمقراطي والحقوقي، التي انعكست في الدستور والقوانين واستهدفت إجراء إصلاحات سياسية في البلاد.وحددت المرجعيات التي يفترض أن تستند إليها العدالة الانتقالية في اليمن، وفي المقدمة منها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية وقرار مجلس الأمن رقم (2014)، بصفتها أهم المراجع الحاكمة للفترة الانتقالية.وخلصت الدراسة إلى جملة من الاستنتاجات والتوصيات المهمة التي شددت على ضرورة عدم التعاطي مع مفهوم العدالة الانتقالية بمزاجية أو استغلالية لنوازع سياسية أو عاطفية، والإسراع في إصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وإنهاء الانقسام في القوات المسلحة والأمن، وتبني خطاب إعلامي متوازن.وقد ناقش أعضاء المجلس الدراسة، مؤكدين أهمية إثراء الدراسة القيمة بمزيد من الآراء بالنظر إلى أهمية الموضوع التي تتناوله في هذه المرحلة من تاريخ اليمن.وكان المجلس قد استعرض محضر جلسته السابقة وأقره.