نبض القلم
إن الحياة السعيدة الهانئة لا تتحقق إلا في وطن مستقر آمن، ليس فيه مستغل فاجر، أو مستبد ظالم، أو انتهازي فاسد، أو متآمر حاقد، وقد جاء في الأثر:”حب الوطن من الإيمان” ومن صفات المؤمن أن يحب وطنه الذي نبت فيه، وعلى أرضه درج، وبين أرجائه نشأ، لأن حب الوطن غريزة في الإنسان كما هي غريزة عند الحيوان، وهي غريزة خير وبر، ولذلك هي من الإيمان.والإيمان إذا امتلأ به قلب المؤمن تفرعت عنه أعمال خير كثيرة، وكل عمل ينشأ عن إيمان يكون عملاً مفيداً ونافعاً، مفيداً لمن عمله، ونافعاً لسائر أبناء الوطن، وكل عمل من شأنه رفعة الوطن والنهوض به، يعتبر شعبة من شعب الإيمان.ولقد أنعم الله علينا بهذا الوطن الذي نعيش فيه، ونتشرف بالانتساب إليه، ويقتضي الواجب الديني أن يؤمن كل واحد منا بأن لوطنه عليه حقاً: حق العمل على رفعة شأنه، وحق السعي للنهوض به، وحق المحافظة على وحدته، وحق الدفاع عنه والحفاظ على أمنه واستقراره وحمايته من غدر الغادرين ومكر الماكرين، وتخريب المخربين، وعبث العابثين، وتآمر المتآمرين.وليس أدل على حب الوطن مما فعله النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما اضطرته الظروف للهجرة إلى المدينة فراراً بدينه والنجاة بنفسه من إيذاء قريش له فظل محباً لوطنه رغم ما قاساه من أذى، وما لاقاه من تعسف من قبل أهل مكة، فهو لم يكره وطنه مكة ولم يعمل على الإضرار بها ـ كما يفعل بعض الذين نزحوا عن أوطانهم في أيامنا لظروف قاهرة ـ بل وقف ينظر إليها بحسرة ويقول:” يا مكة، إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وإنك لأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت”.فإذا كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد ترك وطنه مجبراً على فراقه، فإنه ظل متعلقاً به، يحلم باليوم الذي سيعود فيه إليه، حتى كان ذلك اليوم الذي انتصر فيه على أعدائه، فعاد إلى مكة فاتحاً، مبتهجاً بعودته إلى وطنه ظافراً بالنصر.ويمكننا أن نتخيل كيف كانت مشاعر النبي (ص) وهو يعود إلى وطنه بعد طول غربة، وكيف كانت أحاسيسه وهو يعود إلى مسقط رأسه وملعب صباه، وكيف كانت انفعالاته عند التقائه بأحبائه ورفاق صباه، وكيف كانت حالته وهو يرى خصوم الأمس قد كسرت شوكتهم وانتكست هيبتهم، وكيف كانت نفسيته وهو يرى الناس قد دخلوا في دين الله أفواجاً.ومما لا شك فيه أن الذين غادروا وطنهم في ظروف مشابهة، ثم عادوا إليه بعد ذلك سيكونون أكثر الناس شعوراً بقيمة الوطن، لأنهم جربوا معاناة الاغتراب، وذاقوا مرارة العيش بعيداً عن الأهل والأحباب.وليس بخاف أنه إذا أحب المرء وطنه أحب كل شيء فيه، أحب الناس والأرض والسماء، فقد كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول عن مكة وهي في المدينة:” ما رأيت القمر أجمل ما يكون إلا في مكة، ولا هديل الحمام أشجى منه فيها”.وقال الشاعر في هذا المعنى:“كم منزل في الأرض يألفه الفتى[c1] *** [/c]وحنينه دوماً لأول منزل”وقال آخر:“وطني لو شغلت بالخلد عنه[c1] *** [/c]نازعتني إليه في الخلد نفسي”وعليه، فإن حب الوطن من شأنه أن يهيج مشاعر كل إنسان مخلص، ويوقظ وجدان كل مواطن صالح، ليتجه جميع الناس لبناء الوطن، والمساهمة في تطويره والنهوض به، والحفاظ على وحدته، والدفاع عن حياضه، والوقوف بصلابة ضد كل من يحاول الإضرر به، والتصدي بشجاعة لكل من يعمل على زرع بذور الفرقة والفتنة في صفوف أفراده.ولسنا بحاجة للتذكير أن المرء إذا لم يحب وطنه فإنه سيكره كل شيء فيه، فتراه يكره الناس، وينعكس ذلك على شخصه، فلا تراه إلا متذمراً، ولا تلقاه إلا محبطاً دائم الشكوى، لا يرى الوطن إلا مكاناً ضيقاً محصوراً في حدود العشيرة أو القبيلة، متجاهلاً أن الوطن ـ بفضل الله تعالى ـ قد صار واسعاً فسيحاً يتسع للجميع.[c1]- إمام وخطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان) [/c]
