محمد الحاج سالم (أبو طلال) أثناء وجودي في مدينة عمان بالأردن، تلقيت رسالة هاتفية من الصديق الوفي الإنسان عبدالله محمد الدحيمي .. قال فيها: ( عبدالوكيل السروري يرحمه الله ) .. ودون أن اشعر قلت : كيف يرحمه الله؟ تدخل ولدي ( طلال ) قائلاً : يا والدي صل على النبي .. عبدالوكيل السروري مات قل الحمدلله ، الله يرحمه .. فقلت : الحمدلله .. إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله .. الله يرحمك يا عبدالوكيل.وتحولت غرفة ولدي المريض إلى حالة من الصمت الرهيب، وإذا بولدي يفتح قناة (القرآن الكريم) ، بعدها قضينا الليل كله في اتصالات هاتفية مع الصديق عبدالله الدحيمي والشيخ زيد محسن السنيدي أمين عام منتدى الوحدة اليمنية بأبين ود. محمد عبدالمجيد قباطي رئيس العلاقات الخارجية باللجنة الدائمة .. وعلمت منهم أنه تعذر نقل المرحوم عبدالوكيل إلى الأردن، بناء على تدخل الأخ الفاضل نائب رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي ، نظراً لتدهور حالته ، وأصبح ابني المريض الذي كنت أرعاه ، هو يرعاني .. جزاه الله خيراً. ووجدت نفسي أجمع ذكرياتي كلها والمحطات التي جمعتني بالفقيد العزيز الخاصة والعامة، والمواقف الإنسانية الكثيرة التي خصني بها منذ أن كان عميداً للتمريض بمستشفى الجمهورية ووزارة الصحة، أو عندما اختير مندوباً لدى دول جبهة الصمود والتصدي في ذلك الوقت، أو عندما عين سفيراً أو مسؤولاً ثانياً لمجلس السلم والتضامن والصداقة مع الشعوب، وإنني أجد نفسي مجبراً على أن اسطر بعضاً من تلك المواقف الإنسانية والمحطات التي يعرفها شقيقه الصديق محمد إسماعيل السروري وزملائي وأصدقائي الآخرون، منهم يحيى حسين عبدالله ( الله يذكره بالخير) ، وأسرتي وأولادي وغيرهم كثر. في منزلي المتواضع بحي المرور بخورمكسر - عدن ، زارني في بيتي طيب الذكر المرحوم عبدالوكيل السروري يرافقه الشهيد محسن علي حيدرة وأمين أحمد عبده ( جاري) ، كان ذلك في يوليو عام 1975م ، وقد لاحظت عليه الاستعراب مما شاهده في منزلي الخالي من الأثاث والكماليات ، ولكنه عبر بإعجاب عن رضاي أنا به، ثم ذهبنا سوياً لزيارة الأستاذ الفاضل عثمان عبدالجبار راشد الساكن في ذلك الوقت بمدينة التواهي، وعند مغادرتنا منزل الأستاذ عثمان، إذا بالأخ عبدالوكيل يطلب مني أن أحمل حصيراً كبيراً فحملته ، وعندما وصلنا إلى مدينة المعلا ، قال لي : هذا لك روح افرش بيتك، وكانت فرحتي وفرحة أسرتي كبيرة جداً، وكلما التقيت الأستاذ عثمان عبدالجبار أمازحه وأشكره .. والأستاذ عثمان أطال الله في عمره يقول: يا جماعة كيف أقنعتوني وجماعتي (أي أسرته) تعاتبني ، طبعاً في إطار المزاح والود. [c1]عملي في الثروة السمكية (نوفمبر 1975م)[/c]كانت الإدارة في قطاع الثروة السمكية جديدة علي، في ذلك المرفق الإنتاجي ، فكان الأخ/ عبدالوكيل دائم التردد علي في الثروة السمكية ، ولاحظ ضعف أدائي في العمل، فقام بترتيب دورة لي في سكرتارية الثقافة والإعلام باتحاد النقابات ( المجلس العمالي) بالمعلا وأحضر لي عدداً من الملازم الخاصة بعلوم الإدارة ونصحني بتكثيف القراءة والاطلاع. وفي 1 مارس 1976م بينما كنا جالسين في مرفق عملي إذا بالأخ الرئيس سالم ربيع علي رئيس مجلس الرئاسة - الذي كان يزور منطقة حجيف بالتواهي - فجأة يدخل علينا المكتب ، سلمنا عليه وجلس معنا، وكان الرئيس الشهيد سالمين (رحمة الله عليه) يداعب الأخ عبدالوكيل قائلاً له : يا رفيق عبدالوكيل لو أنا مكانك في السكن بجانب مصنع بذرة القطن لذهبت ابحث عن سكن آخر، كيف تعيش مع النفايات الطائرة من المصنع؟ رد عليه عبدالوكيل ( مازحاً) يا رفيق سالمين أصبحت عندي وعند أسرتي مناعة، وهم مصابون بأمراض الاستما والحمدلله، وضحكنا جميعاً، ووعده الرئيس سالمين خيراً!.وبدعم من طيب الذكر الفقيد عبدالوكيل السروري نجحت في إدارة المرفق الإنتاجي، الذي كان يعمل فيه الصيادون من رأس العارة بلحج غرباً حتى بئر علي بشبوة شرقاً. بعد أن عزلوني من الأسماك في نهاية 1978م بعد اتهامي بأني من أنصار الشهيد سالمين في إطار خطة تقليم أظفار سالمين في المرافق كما كان يطلق على تلك التصفيات ، ظل الأخ عبدالوكيل السروري سنداً وحامياً وناصحاً لي بالصبر، وعند أحداث 26 يونيو 1978م اتصل بي الأخ عبدالوكيل ( رحمة الله عليه ) ونصحني بأن الزم بيتي وألا أخرج، واتصل بالأخ عبدالرحمن محمد سعيد قائد المليشيا الشعبية طالباً عدم التعرض لي، واتصل الأخ عثمان عبدالجبار راشد أطال الله في عمره قائلاً: لا تقلق .. لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن. جاء أحدهم من الرقابة العمالية في الثروة السمكية إلى منزلي واقتادني إلى مقر المليشيا الشعبية وبقيت هناك شهراً، حينها لم أكن أعلم أن أسرتي أبلغوا أسرة عبدالوكيل السروري بما جرى ، وجرت اتصالات مكثفة مع مكتب الأمين للتنظيم السياسي الموحد ومع قيادات في المليشيا الشعبية، حين كان الأخ عبدالرحمن محمد سعيد في مهمة غير معروفة ، حتى تم معرفة مكاني في زنازين المليشيا ، وأخرجوني وإذا بي وأقف أمام الأخ عبدالوكيل ضاحكاً فرحاً وأنا لا أصدق ، علمت أن طيب الذكر استخرج أمراً بتوقيع عبدالفتاح إسماعيل بإطلاق سراحي .. واصطحبني إلى بيتي قائلاً لزوجتي : رجعنا لكم الرفيق ( المنحرف). ظللت عاطلاً عن العمل حتى شهر أغسطس فاتصل بي عبدالوكيل هاتفياً وقال لي : نزور الليلة الرفيق عبدالغني عبدالقادر وزير الصناعة ومعنا الرفيق أحمد خضر زعبل الله يشفيه من مرضه ، وتم اللقاء واستخرج لي أمراً بالعمل في وزارة الصناعة، وعندما علم عبد الوكيل أن عملي في الصناعة غير مناسب، رتب لي عملاً في وكالة أنباء عدن بعد موافقة الأخ نجيب محمد إبراهيم (يرحمه الله)، وظل الأخ عبد الوكيل السروري الأب والصديق يزودني بالمواد الغذائية من سوق المنطقة الحرة من خلال البطاقة الممنوحة لأعضاء اللجنة المركزية في ذلك الوقت.حدثت لي مشاكل في مارس 1983 م لا داعي لذكرها هنا، وأصبحت نزيل سجن أمن الدولة في الفتح بالتواهي، انقطع عني جميع الأصدقاء والزملاء، كوني في سجن سياسي، وطال سجني ، وبعد عدة أشهر جاءني السجان وقال: معك زيارة خاصة، قلت في نفسي: من يزورني في هذا الوقت ما بين العصر والمغرب؟ راودتني شكوك مخيفة، وإذا بي أدخل غرفة مدير السجن وأرى عبد الوكيل السروري واقفاً بشوشاً كعادته، وخلال نصف ساعة كاملة أزاح عني متاعب ومعاناة السجن كلها.وبجهود مكثفة ومتابعات بذلها الأخ عبد الوكيل السروري قبل سفره إلى الجزائر سفيراً، وكذا الأخ العزيز محمد صداعي علي (الله يذكره بالخير) حصلت على الإفراج وعاد عبد الوكيل من الخارج وسأل عني، وزارني في بيتي، وتواصلت الزيارات بيننا.. حتى قيامنا بتأسيس منتدى الوحدة اليمنية الثقافي الاجتماعي في أبين، وقدم لي ملاحظاته المهمة جداً، منها: هل الأوضاع في زنجبار تسمح بهكذا منتدى؟! من معك؟! أنت ستعمل في منطقة غير مستقرة ومليئة بالتناقض؟! وهل وهل.. وهي ملاحظات مشروعة.. زارني في أبين مرات كثيرة لكي يشرف ويتابع تأسيس هذا المولود الجديد، في حين كان المحسوبون في إطارنا السياسي (المؤتمر) معارضين، بل نشروا إشاعات معادية، وبالرغم من أن هذا المشروع يحمل أسم (منتدى الوحدة اليمنية)، حتى هذا الاسم لم يشفع لنا، حتى تدخل الأخ محمد صالح شملان محافظ أبين السابق الذي أعطانا غطاء سياسياً وتم إشهار المنتدى، وتوالت الفعاليات السياسية في هذا المنبر المستقل، وظل الأخ عبد الوكيل السروري وشقيقه محمد إسماعيل السروري ونخبة من أساتذة جامعة عدن والمثقفين والفنانين يتوافدون إلى المنتدى، وأنضم الأخ عبد الله الدحيمي إلى رواد المنتدى.وتقديراً لمواقف طيب الذكر عبد الوكيل السروري، أقرت الهيئة الإدارية للمنتدى منحه عضوية المجلس الاستشاري للمنتدى، كما تم اختيار د. عبد العزيز بن حبتور رئيس جامعة عدن رئيساً فخرياً للمنتدى، وعندما تم استحداث الموقع الالكتروني (أبين بيرس) كان عبد الوكيل السروري صاحب الفكرة وأول من قدم المواد الثقافية والوطنية للموقع.[c1]الخلاصة:[/c]هل توجد في الوطن كله ظاهرة وطنية وإنسانية بحجم هذا العملاق السياسي؟! هل توجد مشاعر مليئة بالحب والتواضع والخلق والحيوية والإبداع بحجم هذا النهر المتدفق؟!أعتقد جازماً أن قائدنا ونموذجنا وقدوتنا السفير عبد الوكيل السروري حالة نادرة في الحركة الوطنية اليمنية.حالة نادرة في العفة والنزاهة والأخلاق والحب.. إننا مطالبون اليوم وكل محبيه وتلاميذه بأن نعمل على إنشاء متحف خاص.. وأن تجتمع كل المنتديات الأدبية والثقافية والسياسية لإشهار جائزة سنوية تحمل اسمه تمنح للمبدعين المتفوقين والوطنيين الوحدويين، وهذا أقل ما يمكن تقديمه تخليداً لذكراه.الله يرحمك يا عبد الوكيل رحمة الأبرار، ويجزيك خيراً على كل ما قدمته لي ولأسرتي في حياة مستقرة وآمنة.. أطعمتنا في ظروف كانت بالغة الصعوبة.. وزرعت فينا الأمان بعد الخوف، وقدمت لنا الدعم لتظل أسرتي متماسكة في ذلك المنزل المتواضع، فجزاك الله خيراً، والله وحده يعلم ذلك المعروف الذي ظللنا ننعم به، دون أن تأخذ شيئاً أو تطلب شيئاً، وكما قال الأخ عبد ربه منصور هادي نائب الرئيس يحفظه الله: (عاش عبد الوكيل عزيزاً ومات عزيزاً)..اللهم أغفر له.. اللهم أرحمه.. اللهم تحنن عليه.. اللهم أعف عنه.. اللهم أجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً..اللهم آمين.. آمين.. أمين..
عام مضى على وفاة المناضل عبد الوكيل السروري
أخبار متعلقة
