إذا كان الهروب ضرورة لا بد منها للحفاظ ربما على اشياء جميلة ،أو نبيلة، أو جليلة ، أو كل ذلك معاً ،أو بعضه ،ولم نجد من الحلول غير الهروب ،فليكن- هذا الهروب- على الأقل إلى الأمام ،بعقل ، وبأقل قدر من الخسائر،حتى لا نكرر ما فات ، ونعيد ذكريات الماضي ،ومآسيه ، والأنات ، والدموع ،والآهات ، وحتى لا نحول ذلك الماضي البائس إلى حاضر رغماً عن عيوننا ،وانوفنا ،وذاكرتناأما أن يحاول البعض أن يقنعنا أن يقنعنا بضرورة الهروب إلى الخلف ، بما فيه من الخنوع ، وكشف الظهر ، وتولية الدبر ، والعودة إلى مقابر الموتى ، بما تفوح به من روائح منتنة ، وبما تضمه من الرفات ، والهياكل المتهالكة ،فضلاً عما يعنيه ذلك من اهوال ، وبارود ورماد ،وتشظيات وشظايا ، وتمزق مستمر ،ومتصل حتى الموت ،والضياع إلى درجة عدم القدرة على تقدير العواقب ، فهذا دون شك العنت نفسه ،والضياع ذاته ،وسوء التدبير بعينه وأنفه وتفاصيله ! !نقول ذلك ونحن نسمع ، ونرى البعض يمجد الماضي ، ويدعو للعودة إليه بالمليء والفاضي ، ويدعي أن هذا هو الحل لمعضلة الحال ،وما آلت إليه الأوضاع السياسية ،والاقتصادية والاجتماعية من الخبال ، وكان أساس المشكلة هو الوحدة التي أعزنا الله بها، والاجتماع الذي حفظ الله به دماءنا من بأس بعضنا البعض ، وهوس وحيوانية تجار الحروب ،ومدمني الابتهاج بنشيج المآتم ، وعويل الحرائق ،وشم روائح البارود ،واستنشاق روائح الجثث ،والأشلاء المتعفنة في الأزقة والعراء .يا ناس اعقلوا ! !وتذكروا ما أنتم فيه من نعمة الأمن والأمان ، والسكينة والاطمئنان ،وحرية القول والحركة ،والتنقل والعمل ،والتملك والانتماء ، تذكروا أنكم تتنفسون ،وتدعون لهدم الوحدة ،بحماية دولة الوحدة ، وضمان الدستور والقانون . .متى كنا نستطيع فعل ذلك ، أو حتى التفكير في بعض مما ذكرنا دون ان نكون قد أدخلنا أنفسنا في القوائم السوداء ، كقوى مضادة للثورة ،أو كرقم جديد في قوائم الطابور الخامس- كما كانوا يصنفون الناس ، إن لم نكن قد جعلنا أنفسنا في اليوم واللحظة زاداَ لأسوأ أعمال الانتقام والعنف التي كنت تنفذ أولاً بأول ، هنا وهناك .لذلك قلنا : اعقلوا ! ! وفكروا وتمهلوا ! ! واسألوا المقابر الجماعية هنا وهناك ، وما فعلته فرق الموت وحركات الانقلابات . . كم أكلت ، وكم غيبت ، وكم من الطاقات أحرقت . . ومن المنجزات دمرت .أسألكم بالله أن تصدقوا مع أنفسكم :متى كان الماضي جميلاَ ؟ ولأي سبب تغدو العودة إليه حكمة ؟ !
أي حكمة في الهروب إلى الماضي ؟!
أخبار متعلقة
