نبض القلم
من الحقائق المسلمة أن الشريعة الإسلامية لم تقف يوماً من الأيام مكتوفة الأيدي، أو مغلولة الأرجل أمام وقائع الحياة المتغيرة، منذ عهد الصحابة ومن بعدهم ، وأنها ظلت القانون المقدس المعمول به في بلاد الإسلام حوالي ثلاثة عشر قرناً من الزمان إلى أن جاء عهد الاستعمار الغربي الذي استبدل بها تشريعاته الوضعية ، وإنما استطاعت الشريعة الإسلامية أن تفي بحاجات كل المجتمعات التي حكمتها ، وأن تعالج كافة المشكلات في مختلف البيئات التي حلت بها ، بأعدل الحلول وأصلحها ، لأن الله قد أودعها مرونة عجيبة ، جعلتها تتسع لمواجهة كل موقف ، ومعالجة كل مشكلة ، والتفاعل مع كل جديد ، بغير عنت ولا إرهاق .وأول ما يلمسه الدارس للشريعة الإسلامية هو اتساع منطقة العفو ، أي أن هناك فراغاً في منطقة ما يعرف بالعفو ، وهذا الفراغ تركته الشريعة قصداً ، وجعلته خاضعاً لاجتهادات المجتهدين في الأمة ليملؤوها بما هو أصلح لهم وأليق لزمانهم وحالهم .وإنما سميت منطقة الفراغ هذه (منطقة عفو ) من الحديث النبوي الشريف الذي رواه سلمان :( ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عفوه ، فإن الله لم يكن لينس شياً ) الهيثمي 1353، مجمع الزوائد 55/7).وإن منطقة العفو هذه أو الفراغ قد تركها الشارع قصداً لقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها وفرض أشياء فلا تضيعوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان ، فلا تبحثو عنها ) ( مسلم ، حدود،4) ويدلنا هذا أن توسيع منطقة العفو لم يكن أمراً طارئاً ولا مصادفة ، وإنما هو أمر مقصود للشارع ، وقد ترك للاجتهاد والمجتهدين ، ملء منطقة الفراغ أو العفو بعد انقطاع الوحي .وكان الاجتهاد هو الوسيلة الطبيعية الرئيسية في حل المسائل الشرعية، فظهرت على أثره مدارس الرأي المختلفة ، وكانت الخلافات بين المدارس الفقهية تظهر حول أية مشكلة شرعية نتيجة تضارب الرأي حولها بصفة عامة . فقد كان علماء (الحيرة) مثلاً يختلفون مع علماء (الكوفة ) حول مسألة فقهية معينة ، ففي حين كانت الحيرة تعد هذه المسألة شرعية تماماً ، كانت الكوفة تعدها غير ذلك .وكان علماء العراق لهم آراء تختلف عن علماء الحجاز ، بل كان كل فريق يتمسك برأيه ، ويحط من قدر مخالفيه ، وكاد الخلاف في الرأي يؤدي إلى الفوضى في بعض المناطق ، إذا كان من العسير الوصول إلى وحدة الرأي على أية مسألة من المسائل ، وقد دعت هذه الحالة العلماء إلى الاتفاق على تشريع يعتمد على ( القياس ) .والفرق بين ( الرأي) و (القياس ) أن الأول ذو طبيعة مرنه حية، كونه ينظر إلى الأمور بروح الإسلام وحكمته وعدالته ، فهو القرار الذي يصل إليه المرء بعد تفكير عميق، وتأمل وبحث صحيح للوصول إلى الحقيقة في حالة ما إذا كان هناك خلاف وتصارع بين الآراء .أما ( القياس ) فهو مقارنة بين أمرين متشابهين ليس محدد الصورة في كل الأحيان، ويعتبر ( القياس ) بمثابة امتداد لواقعة سابقة أو حالة مماثلة أو رأي سابق ، ولهذا فأن نطاقه محدود وأضيق من ( الرأي ) .ففي (الرأي) نجد التركيز ينصب على الوضع الراهن ، في حين أنه في ( القياس ) ينصب على المماثلة المجردة أو المعنوية مهما كان الوضع الراهن ، وهو ما عرض منهج ( القياس) للنقد من قبل بعض العلماء الذين دعوا إلى الابتعاد عن المماثلة والمشابهة لتحقيق مصلحة عامة أو إشاعة العدالة ، أو إتباع الرحمة والرأفة ، ما لم تكن المماثلة مستحسنة والقياس مقبولاً ، وقد ظهر على أثر ذلك ما يعرف بالاستحسان .و(الاستحسان) قرار يقوم على العقل وليس على المنطق المتشابه ، ولا ينبغي أن يكون نزوة من النزوات ، أو رأياً تعسفياً بل يجب أن يكون وسيلة لاتخاذ قرار صريح يتمشى مع مقتضى الحال ولذلك فإن كثيراً من علماء الشريعة ممن خالفوا منهج القياس قد عملوا بما يتمشى مع ما تقتضيه حالة معينة .ومهما كان اختلاف علماء الشريعة في ( الرأي ) و( القياس) و(الاستحسان) فإنهم يلتقون جميعاً عند مبدأ واحد غايته جلب المصالح ودرء المفاسد ، ولم يخرجوا عن روح الكتاب والسنة النبوية المطهرة واتفقوا على أن الشريعة الإسلامية تتعامل مع البشرية بمرونة ولين، وأنها مبنية على التيسير ورفع الحرج ، وليس على التضييق والتعسير، لذلك اجتهدوا جميعاً للبحث عن الرخصة حيث لا يجدون لها نصاً واضحاً في الكتاب والسنة وقد انطلقوا في ذلك من معرفتهم أن الشارع الحكيم أدرج أعذاراً شرعية ضمن كل فرض من الفروض ، وأعطى رخصاً لمن يعجز عن تنفيذ الفروض تنفيذاً كاملاً ، وكانت له أعذاره الشرعية ، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول :(أن الله يحب لأن تؤتى رخصة ، كما يحب أن تؤتى عزائمة ) ( الطبراني م/ الكبير 10/ 84).ولقد قرر علماء الإسلام المجتهدون أن شريعة الإسلام مبنية على التيسير ورفع الحرج ، وأن ذلك لا يظهر إلا لتمرس مع نصوص الشرع ومطلع حصيف لتلك النصوص المثبوتة في كتب الصحيح ، وأنكروا على بعض الناس الذين ألزموا أنفسهم بما لا يلزمهم به الشارع . ومن أمثلة ذلك ما رواه ( الطبراني في م / الكبير ، 19 / 194) عن همس الهلالي قال : ( قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقمت عنده ، ثم خرجت عنه فأتيته بعد حول ، فقلت : يا رسول الله أما تعرفني ؟ قال :لا ، قلت : أنا الذي كنت عندك عام أول ، قال فما غيرك بعدي ؟ قال:ما أكلت طعاماً بنهار منذ فارقتك ، قال : فمن أمرك بتعذيب نفسك ؟ صم يوماً من الشهر ، قلت زدني فزادني ، صم ثلاثة أيام من كل شهر ).وعليه ، فأن العلماء المجتهدين قد أنكروا على المغالين الذين يحرمون على أنفسهم ما أباحه لهم الشارع من طيبات ، في حين أن بعض المغالين من الناس لا يأخذون بما قرره علماء الاجتهاد من رخص غايتها التيسير ورفع الحرج ، فيعمدون إلى التضييق والتعسير على أنفسهم وعلى الناس.[c1]* إمام وخطيب جامع الهاشمي – الشيخ عثمان[/c]
