نبض القلم
مما يذكره التاريخ أن الخليفة عمر بن الخطاب كان كثيراً ما يوجه قادة الدولة إلى الاعتماد على أنفسهم في تسيير أمورهم ، وعدم اللجوء إلى الدولة أو الرجوع إلى الحاكم إلا في حالات الضرورة القصوى ،فلقد خطب في قادة الولايات مرة وقال: “ أعطوا الحق من أنفسكم ولا يحمل بعضكم بعضاً على أن تحاكموا إلي ، فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة ، وأنا حبيب إلى صلاحكم ، عزيز على عتبتكم ، وأنتم أناس عامتكم أهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع ، إلا ما جاء الله به إليه”لقد أراد عمر بذلك أن يعلم قادة الولايات ألا يكثروا من الرجوع إلى الحكومة المركزية في كل قضاياهم ، وعدم شغل الحاكم في الفصل بين الخصومات التي يمكن حلها في داخل الوحدة الإدارية الصغيرة دون الاضطرار لرفعها إلى السلطة المركزية ، وشغل الحاكم في قضايا شخصية أو أمور خاصة ، لأن ذلك يصرف الحاكم عن الاهتمام بالأمور الخطيرة ، ورعاية مصالح الأمة، ويجعله ينشغل عنها بالأمور الخاصة والقضايا غير المهمة . إنه يريدهم أن يعالجوا أمورهم بأنفسهم ، في إطار وحدتهم الإدارية .إنه بذلك أراد أن يعزز نظام الحكم المحلي ، بحيث تعتمد كل وحدة إدارية على نفسها في تسيير شؤونها ، ومعالجة قضاياها دون الاعتماد على الخليفة الذي هو رأس الدولة، وأراد في الوقت نفسه أن يقوي في الدولة مبدأ الإدارة الذاتية القائمة على أساس الاعتماد على النفس ، لأن الاعتماد على النفس يقوي من شخصية القائد ، ويجعله شخصاً إيجابياً في مواجهة المشكلات أما الاعتماد على الآخرين يجعل القائد اتكالياً غير قادر على مواجهة أي مشكلة ، ولا يستطيع القيام بأي شيء لأنه يكون تابعاً لا متبوعاً ، مقوداً لا قائداً ، وموجهاً من الآخرين لا موجهاً لهم.ولتعزيز مبدأ الاعتماد على النفس أخذ عمر بن الخطاب بمبدأ تقسيم العمل في إدارة الدولة والمجتمع،فكان يوزع الأعمال على أرباب التخصص والكفاءة من القادة فقال في إحدى خطبه: ( أيها الناس ، من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله تعالى جعلني له خازناً).ونستدل من هذا أن مبدأ تقسيم العمل يتحقق في ظل الشعور بالمسؤولية الفردية ، إذ على كل موظف أن يكون في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه، لانجاز المهام المطلوبة منه إنجازها ، ولا بد أن ينطوي مبدأ تقسيم العمل على مبدأ التخصص المقترن بالسلطة ، إذ لا يمكن أن نتصور إنجاز عمل في غياب السلطة ولا يمكن أن نتصور سلطة بدون مسؤولية ، فالمسؤولية هي النتيجة الطبيعية للسلطة . فإذا كلف موظف ما بتحمل أية مسؤولية فإن من حقه أن يتمتع بالسلطة والصلاحيات التي تمكنه من إنجاز مهمته على أحسن وجه وأكمل صورة. بما في ذلك حقه في إصدار الأوامر والتوجيهات وفرض الطاعة وتطبيق الجزاء ، من ثواب وعقاب في حدود اختصاصه.وكان هذا المبدأ سائداً في الإدارة الإسلامية التي سبقت الإدارة الحديثة إلى الأخذ بمبدأ تقسيم العمل وربط المسؤولية بالسلطة في ظل نظام اللامركزية في الإدارة ، ولنجاح ذلك كان لابد من الأخذ بمبدئي المحاسبة والمراقبة الإدارية ، وهو ما قام به عمر بن الخطاب عملياً حين كان يحاسب عمالة محاسبة دقيقة ، فكان من عادته أن يكتب أموال عماله عندما يوليهم ، ثم يراقبهم مراقبة دقيقة أثناء تسييرهم أعمالهم ، وكان يحاسب العامل المحافظ الذي يظهر عليه ثراء طارئ ، فقد مر ذات مرة ببناء بني بحجارة وجص يدل على ثراء صاحبها ، فسأل :لمن هذا المبنى ؟ فقيل : إنه لفلان العامل على البحرين ،فقال : ( أبت الدراهم إلا أن تطل بأعناقها) ثم قام بمحاسبته ، وما زاد أخذه منه وضمه إلى بيت مال المسلمين، وقد أرسى عمر بذلك قاعدة هامة في علم الإدارة لو عمل بها في أيامنا لكان الوضع الإداري في أحسن حال ، ولتقلص الفساد المالي والإداري.
