نبض القلم
بعد أن أخذ الإسلام في الانتشار في ربوع البلاد المفتوحة، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، بدأت الدولة تبني أسس حضارتها وترسي قواعد نهضتها، فاستاءت العناصر التي كانت ذات شأن في تلك البلدان، وحركت الطوائف الدينية المغلوبة، إذ وجد هؤلاء أن ملكهم قد أندثر وأن أديانهم قد انزوت ذليلة، فعقدوا العزم على العمل ضد الإسلام والمسلمين، وبذلوا الجهد فرادى ومجتمعين للإضرار بدولة الإسلام الفتية، وتفتيت وحدتها.وكانت خطتهم أن يحدث المنافقون في المدينة ما يستطيعونه من فتن ليشككوا المسلمين في دينهم، ويوقعوا الفرقة بين الناس لشق المجتمع، وتفتيت شمل الأمة، وعمدوا إلى إحداث الفتن في الداخل، واستعانوا باليهود والمشركين لتوسيع دائرة انتشار الفتن عبر الوشايات والإشاعات لتصل إلى أنحاء مختلفة من رقعة الدولة الإسلامية، وقد برع اليهود في ذلك ونجحوا في شق صفوف المسلمين، وإشعال نيران الفتنة في صفوفهم.وفي غزوة بني المصطلق وجد اليهود الفرصة سانحة لهم لشق صفوف المسلمين، مستفيدين من بعض عملائهم المنافقين، فوجدوا في عبدالله بن أبي بن سلول ضالتهم، فهو زعيم المنافقين، وكان قد شارك المسلمين في غزوتهم هذه، في حين كان في قرارة نفسه يبحث عن ثغرة في صفوف المسلمين ليلقي فيها أحقاده، ويشعل فيها ضغينة قلبه، حتى لا ينتصر المسلمون، ويعودون إلى المدينة منتكسين، قلوبهم متنافرة، ونفوسهم متناحرة، ووحدتهم ممزقة، ووجد ابن سلول ضالته في خلاف نشأ بين رجلين أحدهما من المهاجرين والثاني من الأنصار على الماء في بني المصطلق، فلما أشتد الخلاف صرخ المهاجري : يا معشر المهاجرين، وصرخ الأنصاري :يا معشر الأنصار، فلما سمع ابن سلول هذه الصيحات، قال في نفسه : إنها فرصة لإشعال نيران الفتنة بين المهاجرين والأنصار، فرمى بوقود الفتنة حتى لا تخمد أوارها، فقال لقومه : أو قد فعلوها؟ وقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا؟ وكان يعني بذلك المهاجرين، ثم أقسم بالانتصار للأنصار من المهاجرين، فقال : أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حوله من قومه من أهل المدينة، وقال لهم : هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، وكان يريد بذلك إثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعله ابن سلول عمل على تفويت الفرصة على ابن سلول في إثارة الفتنة، فأمر المسلمين بالرحيل فوراً ليقطع دابر الفتنة.والذي يقرأ ما كتبه المؤرخون في مؤتمر السقيفة يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه سيرى أن الغرض من الإسهاب في وصف ما دار بين المهاجرين والأنصار من النقاش الحاد، ثم الجدل الغاضب، ثم الالتجاء إلى السيف والقوة لفض الخصومة، سيدرك أن الغرض من ذلك هو إظهار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة المتكالبين على المناصب والمتصارعين على السلطة، وهدفهم من ذلك هو تشكيك المسلمين في صحابة رسول الله، وإظهار الرعيل الأول من الصحابة بالمظهر التافه غير اللائق بمكانتهم، وعمد هؤلاء إلى الطعن بالصحابة وتجريحهم، ليقال أن الصحابة كانوا يتصارعون على المناصب، ويقولون للمسلمين عموماً وللعرب خصوصاً، أنظروا إلى أجدادكم وبناة مجدكم كيف كانوا يحرصون على السلطة ويتكالبون عليها، فأظهروا عمر بن الخطاب والحباب بن المنذر وسعد بن عباده، بمظهر المشاغبين الذين يطعن بعضهم بعضاً بحمق وطيش، في الوقت الذي لا يزال جثمان الرسول لم يوار التراب بعد.لقد عمد الطبري وبعض المؤرخين إلى نقل الخلاف بين الحباب بن المنذر وعمر بن الخطاب على النحو الذي لا ينبغي أن يكون بين طامعين في الحكم من رؤساء الأحزاب السياسية في عصرنا هذا، فكيف الحال برجال تخرجوا من مدرسة رسول الله، وتربوا على المحبة والتسامح، وكانوا مضرب المثل في صدق العقيدة وقوة الإيمان.ولست أدري كيف سمح هؤلاء المؤرخون لأنفسهم أن يدونوا صور التكالب على الحكم، من قبل الصحابة، مع علمهم بحرص كل واحد من هؤلاء الصحابة على الفرار من تبعات السلطة، خوفاً من المساءلة عنها يوم القيامة، فهذا أبوبكر الصديق يقول وهو في مرض موته : “وددت أني يوم السقيفة كنت قد قذفت الأمر إلى عنق أحد الرجلين” يريد عمر وأبا عبيدة.ولا شك في أن هذه الروح كانت سائدة في الصحابة جميعهم، فكانوا ينظرون إلى الإمارة نظرة الحذر الذي يخاف التقصير في شأن عمل خطير كهذا. غير أن خصوم الإسلام ما فتئوا يخترعون الأخبار ويبتدعون الروايات التي تشعل نيران البغضاء، وتثير الكراهية والأحقاد في صفوف المسلمين، وهو ما يفعله بعض الكتاب في صحافتنا المعاصرة الذين يعمدون في كتاباتهم إلى غرس بذور الفرقة في المجتمع، وبث روح العداء بين الناس ليكره بعضهم بعضا، فهؤلاء علينا أن نحذرهم.[c1]* خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
