نبض القلم
من المعلوم أننا نضطر أحياناً لقبول أمور كثيرة تخصنا وفيها كثير من العيوب والنواقص، لأننا لا نستطيع أن نباشر حاجياتنا بأنفسنا ، أو نعملها بأيدينا، أو نصنعها بمعرفتنا ، فنحن ندفع للخياط “مثلاً”بالثوب ليخيطه ، ولا نتدخل في عمل الخياط، لأنه لا علم لنا بفن الخياطة، ونسلم بيتنا للمهندس ليبنيه ولا ننكر عليه أسلوبه في البناء لأنه لا علم لدينا بهندسة البناء ، وندع طعامنا للطاهيات في بيوتنا لتهيئته، وليس من الذوق أن نرمي الطاهيات بالجهل فيما صنعن من طعام ونحن لا نعرف شيئاً من فن الطبخ، فإذا لم يعجبنا الثوب الذي خاطه الخياط، أو لم نرض بنمط البناء الذي بناه المهندس ، أو لم نستسغ الطعام الذي أعدته الطاهيات، فلا يصح أن نزعم أن كل الخياطين في البلد لا يفهمون شيئاً في فن الخياطة ، وليس من حقنا أن نشيع أن البنائين في بلدنا من أجهل الناس بهندسة البناء، ولا يجوز أن نعلن بأن الطاهيات في بلادنا لا يحسن الطبخ . وفي جميع الحالات لا ينبغي أن يدعي أي منا أنه وحده العارف بفن الخياطة والماهر بالبناء ، والخبير في الطبخ ، حتى لو كانت لديه بعض المعارف الأولية في هذه الأمور ، لأن معرفته المتواضعة لا ترقى إلى مرتبة الخبير المتخصص.ونحن في حياتنا العادية نكاد نسلم أنه إذا اختلف اثنان في أمر من الأمور به من واجبهما أن يحتكما إلى ذوي الخبرة والاختصاص في هذا الأمر أو ذاك فالتاجران حين يختلفان في أمر سلعة من السلع فإنهما يحتكمان إلى شيوخ التجار من ذوي الخبرة في التجارة ولكننا للأسف نكاد ندعي الخبرة والمعرفة والفهم في أمرين اثنين لهما بالغ الخطورة في حياتنا وهذان الأمران هما: الدين والسياسة .أما الدين فيكاد يزعم الواحد منا أنه يفهم دينه تمام الفهم ، بل أنه أعلم من فقهاء الشريعة وعلمائها ، ونجد هذا الزعم واضحاً في فريقين من الناس : فريق من المتزمتين ، وفريق من المتحررين، فالأولون يشددون في الفتوى ويضيقون على الناس فيحرمونا الحلال من غير معرفة بالنصوص الشرعية وقواعدها أما الآخرون فيزعمون أن الدين ما وافق أهواءهم وطابق ميولهم من غير علم بمبادئ الشريعة وأحكامها ومن هؤلاء وأولئك نشأت في أوساط المتدينين المتزمتين بعض البدع والخرافات وفي أوساط المتحررين نوع من الانفلات والتحلل ، ولو أن هؤلاء وأولئك عرفوا أن لكل علم أصولاً ،ووقفوا عند لحدود الشرعية، وسألوا الفقهاء فيما لا يعلمون، لاستقام شأن المجتمع وانتظمت حياة الناس ، ولما استبيحت المحرمات، وحرمت الطيبات وسفكت الدماء باسم الدين .أما السياسة فكل واحد منا يدعي أنه أكثر الناس فهماً بها، وأدرى بخفاياها و أسرارها من غيره، ثم أن بعضنا يمنح نفسه العصمة فيما يرى من وجوه السياسة ، فهو لا يخطئ أبداً ، وهو على صواب فيما يرى من أمور السياسة وليت الأمر يقتصر على هذا بل يتجاوزه إلى اتهام الآخرين في نواياهم وفي ضمائرهم وسلوكهم ، فضاعت بذلك المفاهيم السياسية الصادقة، وضعفت القيم الأخلاقية المستقيمة ،ما أدى إلى زرع بذور الشك في تربة الوطن ، فلم يعد الناس يثقون بالسياسي ، ولا السياسي يحترم عقول الناس . وربما يكون الباحث لهذا الانحراف الخطير في أخلاقنا السياسية يرجع إلى انتشار الروح الحزبية البغيضة ، والناجمة عن الجهل والتعصب المقيتين بالإضافة إلى إسراف صحف المعارضة في نقد السلطة وإسراف الصحف الموالية في تأييدها . وهو أدى إلى بروز ظاهرة التطاول والغرور في التعاطي مع بعض القضايا الحيوية ، وهو مرض أدى إلى إنكار بعض الحقائق ولكن هذا لا يعفي المجتمع ذاته من تبعات هذا المرض ، فلو كان مجتمعنا اليمني على وعي صحيح بما يجري ، لما أثرت فيه الشائعات المضللة والأكاذيب الملفقة ، ولطالب مروجي الشائعات بالأدلة على صدق ما يدعون، ولأعرض عن المغرقين في نشر ثقافة الكراهية إعراضاً يكون فيه التأديب الأدبي لهم، والمجتمع الواعي الصحيح يكون أكثر انجذاباً إلى الحق ، وأكثر انسجاماً مع المصلحة العليا للوطن.ومن واجبنا جميعاً كمواطنين أن نتبع القضايا الجارية في بلادنا بوعي ، ونتعاط معها بانتباه ، فالوطن هو وطننا جميعاً ، فإن حسنت أحواله عم خيره عموم الوطن ، أما إذا أحاطت به النار فإنها ستمتد لتصل إلى بيتي وبيتك وسيحرق مالي ومالك، وستقضي على ابني وابنك فلنكن جميعاً يقظين ، ولا نركن إلى الذين ظلموا حتى لا تمسنا النار. فليحذر كل مواطن أن يجعل نفسه مطية يمتطيها الانتهازيون للوصول إلى أغراضهم أو أن يجعل من نفسه ذريعة إلى شق الصف الوطني، أو وسيلة إلى التفرقة ، بل عليه أن يأتنس بأصحاب الفكر السديد والرأي الرشيد ، ويسأل أهل الخبرة ممن لم تلوث فطرتهم السياسية ويطمئن إلى استقامة ضمائرهم فيما ينبغي فعله أو تركه وليكن هذا موقفه إزاء ما يعتمل في مجتمعنا من أمور ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: في هذا الصدد :” إنما الأمور ثلاثة أمر تبين لك رشده فاتبعه وأمر تبين لك غيه فاجتنبه ، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالم” رواه الطبراني في المجمع الكبير. *خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)
