صباح الخير
ـ جئت إلى عدن يستفزني الشوق لها وحملت هم الاغتراب معي حتى أرميه على سواحل الوطن الحبيب.. رأيت عدن تلك المدينة الحالمة الجميلة رغم جفاف زخات المطر وتعسر هبوب الرياح وتقلبات الأجواء التي تتسابق ومواعيدها لتنهار قبل الموعد... أبهرتني الحياة العشوائية التي سدت منافذ الهواء وأقلقت طموح البسطاء من الناس وانعدام المقارنة بين المتواجد فخراً والمتواجد قسراً ـ كل شيء تراه (بقوة وحجم الروتي) واتضح جلياً غلاء كل شيء إلا المواطن..ـ أرعبتني حالة النجم المتألق الفنان المسرحي علي هادي السعدي فهو مرمي ومهمش بعد أن أنهكه المرض مروراً بالإحباط رغم أنه ذلك الجندي الصلب القوي الذي خدم في مجال العسكرية حتى أقعدوه وساهم في المعترك الفني في مختلف المجالات حتى أنهكوه وهو الذي حلق عالياً في سماء الإبداع فأكرموه بوسام (الإهمال) ونرى (قمل الرأس) يسرحون ويمرحون.. شدني ذلك النداء الإنساني في إحدى الصحف اليومية الذي صرح به الباحث والصحفي الأستاذ/ علي محمد يحيى ومن يومها لم تحرك الجهات المختصة ساكناً كمن أصابه الصمم مع أننا نرى حشرجات المتنفذين في كافة المجالات حتى انجرحت العلاقات الإنسانية وافتقدنا الرحمة والرأفة للبشر بشكل عام والمبدعين بشكل خاص ـ ولأدلئك النفر ـ الذين لا يحترمون كرامة الإنسان ـ نكرر النداء ـ أنقذوا الفنان الخلوق علي هادي السعدي لأنه يستحق اهتمامنا وتقديرنا ليس شفقة ولكن واجب وجزاء لمشواره الفني الخلاق.ـ وأخافني منظر الشاعر المبدع والمتكامل فنياً فهو ممثل ومعد برامج وصحفي، إنه الأستاذ القدير عبدالرحمن السقاف هذا العملاق الذي أصبح كهلاً بعد أن هده المرض وأتعبته الظروف بكافة أنواعها وأصبح هيكلاً يتنقل بصعوبة ويخاطبك بحشرجة رغم جمال مفرداته ونحمد الله أن شعره ما زال جميلاً فهو يترجم معاناته من خلال إبداعه الذي يحوز على القبول فهو متألق.. منذ جئت الوطن وهو يتواصل معي يومياً بل ونتشارك الحضور في أكثر من ملتقى أو منتدى أدبي ـ في صباح يوم اتصل بي ومن خلال صوته البريء أحسست كم هو محبط.. رغم سعادتي بسماع صوته لأني أحبه فقد أمضينا السنوات اليانعة من عمرنا أصدقاء وكنا أكثر من إخوة نحب الحياة ونتذوق الأدب ونروض الكلمة وفق مزاجنا ، تحدث معي بصوت متهالك (أنا تعبان يا عاقل) ـ: أسعفوني إلى مستشفى الجمهورية فزاده المستشفى رعباً حسب وصفه من الحركات البهلوانية المخيفة والاستعراض الرائع (الصفاف) عفواً (الصراصير) ورغم هذه الحالة المزرية للمستشفى أكدت لي (أم الجهال) أن المستشفى فيه دكاترة أكثر من رائعين.. هنا أقف باندهاش وأصرخ بقوة ليس لإنقاذ السقاف فقط ولكن لإنقاذ كل أبناء الوطن من عبث الإهمال للذين يلجؤون لهذا الصرح العظيم سابقاً وتابوت الأحياء حالياً وعرفت أسباب اللجوء لهذا المستشفى وهو بهذه السمعة السيئة لأنه مجان ـ وهو ملاذ لذوي الدخل المحدود والمعدمين وهم غالبية أبناء الوطن.. زيارتي لم تتجاوز الشهر وأرى هذا التهميش للمبدعين.. إننا فعلاً نعيش في زمن يبكي فيه الإبداع..
